كانت مناسبة المولد النبوي التي حاول الحوثي أن يحشد لها الجماهير لاحتلال جامع الصالح التابع للرئيس السابق علي عبدالله صالح، القشة الأخيرة التي قصمت تحالف الانقلاب بين الحوثي وحزب صالح.

واقعياً فالتحالف بين الطرفين كان تحالف مصالح واجتمعت الأهداف المشتركة لإسقاط العاصمة صنعاء والسيطرة على السلطة والثروة، ولكن عندما تغيرت الأحوال أراد كل طرف أن يقضي على الآخر، ولعل صالح شعر أن الحوثي يجهز للانقضاض عليه فكان لا بد من التحرك سريعاً قبل فوات الأوان.

الأربعاء الماضي الموافق 29 نوفمبر كانت بداية المواجهة الفعلية بعد أن حاول الحوثي مستغلاً حدث المولد النبوي في ميدان السبعين أن يسيطر على مسجد الصالح وبعض المنازل القريبة التابعة لقيادات من حزب المؤتمر ولكنه فشل في حين كانت استعدادات الطرف الآخر جاهزة للرد.

المزاج الشعبي كان جاهزاً لاستقبال اشعال فتيلة الثورة والانتفاضة ضد هذه المليشيات التي جلبت الحرب والدمار والجوع والكوليرا لليمن منذ ثلاث سنوات، ولذلك خرج المصلين من جامع الصالح يوم الجمعة مرددين هتافات لا حوثي بعد اليوم، فضلاً عن التوجه العام في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى المستوى الشعبي في رفض بقاء تلك المليشيات.

خطاب علي عبدالله صالح كان الحلقة الأخيرة في الشراكة بين الطرفين، وبدأ صالح يوجه رسائله للتحالف العربي والحكومة الشرعية بأن هناك مجال للتوافق بعد أن يتم هزيمة الحوثي، وهو ما حدث حيث رد التحالف العربي ببيان أعلن فيه دعمه لانتفاضة صنعاء وكذلك الحكومة الشرعية أكدت على دعمها لما يجري في صنعاء، وفتح صفحة جديدة مع كل القوى السياسية بما فيها حزب صالح وفقاً للمرجعيات الثلاث المعروفة (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، القرار الأممي 2216).

المواجهات العسكرية تجري الآن داخل الأحياء السكنية في العاصمة صنعاء دون توقف، والحوثي يحاول كالمعتاد أن يركز على منازل القيادات ويحاول أن يصنع من سيطرته عل أي منزل ظاهرة إعلامية لحشد الرأي العام، ولكن الطرف الآخر لا يزال يملك الكثير من الخيارات.

في المحافظات الأخرى التي لا تزال تحت سيطرة الانقلاب انقسمت قسمين كما حدث في صنعاء لكن أغلب التوجه أنها ستكون سهلة للمؤتمر وأنصار الانتفاضة ضد الحوثي نظراً لضعف التواجد الحوثي في تلك المحافظات فأغلبية من يسيطر على المؤسسات الحكومية والجيش والأمن من أنصار المؤتمر.

أكثر مشكلة يعاني منها حزب صالح الآن هو أن الحوثي سيطر منذ اللحظات الأولى على وسائل الإعلام بما فيها قناة اليمن اليوم التابعة لحزب المؤتمر وأغلق مواقعه الإلكترونية، فضلاً عن سيطرته السابقة على الإعلام الحكومي، وهذا قد يؤثر على طبيعة الانتصارات التي يحققها حزب المؤتمر والجماهير المناهضة للحوثي لكن الأمور بدأت تعود للتوازن بعد أن أعلن عن عودة القناة للبث من مكان آخر.

ما يميز ما يجري حالياً أن المزاج الشعبي بشكل عام أصبح واضحاً مساره، وهو الرفض الكامل لمليشيات الحوثي الانقلابية، رغم اختلافهم مع علي عبدالله صالح وتسببه بإدخال تلك المليشيات، لكنهم يرون أن صالح يمكن أن يتم التحاور معه باعتباره يمثل حزب سياسي برجماتي تتغير مواقفه حسب المصالح، بعكس الحوثي الذي يتحرك وفقد منطق عقائدي يرى فيه بأنه أحق بالحكم بناء على نظرية الولاية.

لا نخفي حقيقة واضحة هنا أن المواجهات المسلحة داخل الأحياء السكنية في صنعاء ستوثر وأثرت بشكل كبير على السكان المدنيين، فهناك سكان محاصرون في بعض الأحياء منذ ثلاثة أيام دون أن يستطيعوا الخروج والدخول ونفذت عليهم المواد الغذائية والدوائية وبعض منازلهم تعرضت للقصف والتدمير.

ما يجري اليوم فرصة تاريخية لليمنيين لإعادة اللحمة والنسيج الاجتماعي بعد أن تمزق وتقسم بسبب انقلاب الحوثي وصالح في سبتمبر 2014، ويبدو واضحاً أن التوجه الاقليمي والمحلي في طريقه للدفع بهذه الانتفاضة إلى الأمام رغم كل التحديات.

أمر آخر في غاية الأهمية وهو أن تنسيق الجهود سيكون له دور فعال في إفشال التدخلات الإيرانية والوساطات التي تحاول إنقاذ الحوثي، فضلاً عن ذلك أن هذه الانتفاضة سيكون من شأنها أن تدمر كل ما أحدثه الحوثي من تغيير للمناهج وخطباء المساجد ونشر الفكر الإيراني المستورد، وتعود صنعاء يمنية عروبية إسلامية كما كانت.

سواء انتصر الحوثي في هذه المواجهات العسكرية أو انهزم فالنتيجة ستكون وفقاً للتقديرات الأولية لصالح الشعب اليمني، فبعد أن كان الحوثي يحاول أن يستعطف القبائل وحزب المؤتمر ويحتمي بشرعيتهم في الأرض، سيكون بلا غطاء، وسيصبح عدو للشعب اليمني بأكمله، وما يطمن أن الجيش الوطني والمقاومة الشعبية متواجدة على الأرض وعلى مشارف العاصمة صنعاء وهو ما سيسهل المعركة مستقبلاً.

أما في حال انتصر حزب المؤتمر وأنصار الانتفاضة الشعبية فستكون مقدمة لصلح سياسي يضمن دخول كافة القوى السياسية باستثناء الحوثيين، والعودة إلى المرجعيات المعتمدة، وإنهاء هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس.