بإعلان الزعيم التقليدي لكردستان العراق مسعود برزاني، تنحيه من منصبه والعودة إلى صفوف " البشمركة مقاتلاً ومناضلاً"، يطوي الكرد في العراق صفحة تاريخية طويلة ورثها برزاني الابن عن الأب مصطفى برزاني استمرت لعقود تخللها الكثير من الصراعات بين الدولة العراقية بمختلف ألوانها السياسية والأقلية الكردية.

ركز مسعود برزاني خلال خطاب تنحيه على ما وصفه بــ" الخيانة العظمى" التي تعرض لها على يد منافسيه في حزب الاتحاد الوطني الذين اتهمهم بتسليم كركوك للقوات العراقية.

خيبة الأمل التي ظهرت في ملامح وجه برزاني لم تكن فقط بسبب الخيانة الداخلية من قبل شركائه الكرد بل أيضاً بسبب التخلي الأمريكي عن الأكراد الذين جعلتهم واشنطن وقوداً في حربها على العراق طوال العقدين الماضيين، وآخرها الحرب على تنظيم "داعش" الإرهابي. فقد صرح برزاني معقباً على الخذلان الأمريكي" كنا ننتظر منهما تقدير جهود ودماء الشعب الكردي ".  وكالة أنباء الإعلام العراقي قالت إن تخلي برزاني عن منصبه، كان يرادفه اشتراطاً واضحاً بتنصيب ابن أخيه نيجيرفان برزاني حاكماً للإقليم"، مضيفة بأن الخاسر الأكبر من هذه المساومة هو مستشار مجلس أمن كردستان مسرور، نجل مسعود بارزاني. وتشير مصادر مختلفة إلى أن برزاني تعرض لضغوط كبيرة لإنهاء حكمه لإقليم كردستان، عقب فشل مشروع الانفصال. وخلال كلمته المتلفزة طالب برزاني من البرلمان بتوزيع مسؤولياته على عدد من المسؤولين.  وولد برزاني في مدينة مهاباد في كردستان إيران في 16 اغسطس عام 1946 حيث كان والده مصطفى بارزاني مسؤولا عسكريا في جمهورية مهاباد الكردية التي انهارت سريعاً عقب انسحاب القوات السوفيتية من إيران. حينما سمح النظام الملكي في العراق لوالده مصطفى بارزاني عام 1958 بالعودة إلى البلاد من الاتحاد السوفيتي كان مسعود بارزاني يبلغ من العمر 12 عاما. وفي عام 1961 ترك الدراسة وهو في الـ 17 من العمر، والتحق بصفوف قوات البيشمركة التي كانت تنفذ هجمات مسلحة ضد الحكومة العراقية.

وشارك مسعود مع شقيقه الراحل إدريس في الوفد الكردي خلال المفاوضات التي جرت مع الحكومة العراقية في بغداد في مارس/آذار 1970، والتي أدت إلى صدور اتفاق الحكم الذاتي لكردستان.

 تسلم مسعود برزاني عام 1979 زعامة الأكراد عقب وفاة والده مصطفى بسبب مرضه، وأصبح رئيسا للحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي نفس العام تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في العاصمة النمساوية فيينا أسفرت عن إصابة أحد مساعديه بجراح.

خلال حرب الخليج عام 1991 أعلن التحالف الغربي المنطقة الكردية ملاذا آمنا وسحبت الحكومة المركزية قواتها وإدارتها من المنطقة فتقدم الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لملء هذا الفراغ.

وهكذا تحول مسعود من زعيم حزب يشن حرب عصابات ضد بغداد إلى رجل دولة مسؤول عن ملايين المدنيين في مناطق كردستان العراق الخارجة عن سيطرة الزعيم العراقي الراحل صدام حسين.

كان برزاني ينافس شريكه الأقوى جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، في عام 1987 شكل الطرفان وستة أحزاب أخرى جبهة كردستان العراق، غير أن التوتر تصاعد بينهما بعد الانتخابات الإقليمية عام 1992 والتي خاضها الرجلان للفوز برئاسة الإقليم، ولكن لم ينل أي منهما الأغلبية اللازمة.ومن مقر قيادته في صلاح الدين خارج إربيل شن بارزاني حربا ضروسا ضد الاتحاد الوطني الكردستاني في الفترة بين عامي 1994 و1998.

كان طالباني يعتمد على الدعم الإيراني مقابل دعماً بعثياً من قبل صدام حسين لبرزاني، مما أدى إلى انقسام الإقليم إلى قسمين، حتى تم عقد سلام بين الجانبين برعاية الولايات المتحدة حيث وقع بارزاني وطالباني في واشنطن اتفاقية سلام في أغسطس 1998 بحضور مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية حينئذ. ومنذ تلك الفترة والأكراد جزء من المشروع الأمريكي في العراق، وعقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003 اجريت انتخابات في لبرلمان كردستان العراق في يونيو2005 حيث انتخب مسعود برزاني كأول رئيس للإقليم. 

وعقب إعلان نتائج الاستفتاء الأخير أعلن في أربيل عن تشكيل "مجلس كردستان الأعلى" وهو مجلس سياسي يتزعمه مسعود برزاني ويضم في عضويته شخصيات سياسية موالية له، قد يكون بمثابة حكومة ظل في الإقليم تضمن استمرار نفوذ برزاني في الإقليم بعد استقالته، وهذا الأمر يؤكد ما أشيع حول برزاني وحزبه كونهما يعتبران أنفسهما مالكي كردستان العراق، فهما لا يقبلان بالديمقراطية إلا ضمن الحدود التي تخدم مصالحهما. وبالفعل، لقد مالا إلى قمع الديمقراطية حين طرحت تهديدًا على مصالحهما. فعلى سبيل المثال، طرد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" رئيس مجلس النواب في 10 ديسمبر 2015 عندما حاول البرلمان تعديل قانون الرئاسة لإجراء انتخابات رئاسية عادلة.

ويجب هنا أن نذكر أن القوات العسكرية الكردية المعروفة بإسم البشمركة غير موحدة تحت راية واحدة وتنقسم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" منذ قيام "حكومة إقليم كردستان. ويتولى كل من الحزبين قيادة قوات البيشمركة وقوات أمنية خاصة به، كما يملك الزعيمان السياسيان للحزبين حراسًا شخصيين وقوات خاصة. وهذا الأمر يقد يسرع في تأجيج أي صراعات مستقبلية بين الحزبين.