بذل مسعود برزاني زعيم الحزب الوطني الكردستاني الحاكم في كردستان العراق جهداً كبيراً في توطيد علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء إسقاط النظام العراقي السابق بزعامة صدام حسين، ثم شارك بقوة في دعم الحرب الأمريكية على الجماعات المسلحة التي قاومت الاحتلال خلال سنوات الحرب في العراق، كما ساهمت قوات البشمركة الكردية بقوة في الحرب على تنظيم "داعش"، لكن كل تلك جهود تعثرت حينما أعلن برزاني عن تنظيم استفتاء انفصال كردستان العراقي في 25 سبتمبر الماضي، حيث رفضت الولايات المتحدة الأمريكية الخطوة الكردية ودعت للحفاظ على وحدة العراق رغم تناقض ذلك الموقف مع الوقائع التي شهدتها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، لكن التحرك الأمريكي لم يكن وليد اللحظة بل كان جزء من سلوك الولايات المتحدة في العراق منذ احتلاله حيث استثمرت المليشيات الكردية و الشيعية للقضاء على النظام العراقي السابق، ثم أدخلتها في لعبة جديدة من خلال الحرب على الجماعات المسلحة عن النسق الأمريكي في العراق، حتى منحت إيران وميلشياتها مساحة سياسية و أمنية واسعة للتحرك من أجل تحقيق هذا الهدف، ثم اعادت واشنطن استخدام ورقة الأكراد ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب من خلال ضرب تنظيم "داعش"، وعقب الانتهاء من مشروع "داعش" و الغاية منه اعتقد الأكراد أن واشنطن ستكافئهم على مشاركتهم الفعالة في مساندة حربها على "داعش" لكن يبدو أن اللعبة الأمريكية مع الأكراد لم تنتهي بعد. فقد جاء موقف واشنطن رافضاً لانفصال كردستان العراق ومتماهياً مع رغبة الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي الذي تتماشى سياسياته مع رغبة المرجع الشيعي علي السيستاني حليف إيران في العراق.  وقد يعتقد البعض أن الموقف العراقي الرسمي نابع من المحافظة على سيادة العراق ووحدة اراضيه وفي سياق التصدي للمشروع الغربي لتقسيم العراق إلى ثلاث وحدات سياسية، سنية، شيعية، كردية، لكن في حقيقة الأمر إن السياسة العراقية الحالية من القضية الكردية تتماشى مع الرغبة الإيرانية في تحطيم الحلم الكردي بالانفصال كون ذلك يحفز ملايين الأكراد في إيران بالمطالبة بنفس الحقوق، بالإضافة إلى أن مدينة كركوك التي يجري الدفع بالآليات العسكرية في محيطها للاستيلاء عليها تحتوي على كميات ضخمة من النفط الذي تعتمد عليه أربيل في دعم ميزانيتها.

تحاول منذ 12/اكتوبر قوات الحشد الشعبي التقدم باتجاه كركوك لدحر القوات الكردية عنها، لكن وساطة الاتحاد الوطني الكردستاني لدى العبادي منعت مواجهة محتملة بين الطرفين، حيث منح الأكراد مهلة مدتها 48 ساعة تنتهي يوم الأحد 16/ اكتوبر، لكن رغم التهديدات الشيعية والخطوط الحمراء التي وضعتها واشنطن أمام التدخل العسكري في كركوك فإن احتمال نشوب معركة بين الأكراد والقوات العراقية احتمال ضعيف جداً، لأن تلك الحرب إن اندلعت لن تتوقف على المدى القصير بل ستتحول إلى أزمة وطنية عراقية تشبه إلى حد قريب محاولات النظام العراقي السابق لإبادة الثورة الكردية. ثم إن أي خطوة عسكرية عراقية ضد كردستان العراق سيتبعها إجراءات ستقوم بها إيران وتركيا بهدف استنزاف الإقليم اقتصاديا وأمنياً من بينها إغلاق الحدود.

قد تكون أزمة كركوك مدخلا إلى عملية تفاوض تتواصل بين الطرفين بهدف التفاهم على إدارة مشتركة لكركوك لكن الرغبة الإيرانية قد تدفع مليشيات الحشد الشعبي للاشتباك مع القوات الكردية بهدف اشغال الأكراد عن مشروع الانفصال.

تقول واشنطن بأنها لن تسمح لأي طرف باتخاذ خطوات عسكرية ضد الأكراد في محافظاتهم الثلاث الأساسية - أربيل ودهوك والسليمانية. كما أشارت بهدوء ولكن بإصرار إلى أن أي محاولة تقوم بها بغداد لاستعادة الوصول إلى المناطق المتنازع عليها مثل كركوك لا ينبغي أن تنطوي على العنف، كما يجب ألاّ تقودها الميليشيات المدعومة من إيران، وينبغي أن تترك مجالاً واسعاً للتفاوض. قد يفيد الوجود العسكري الأمريكي في كركوك في تأخير المعركة لكن لا يمكن الوثوق في الوعود الأمريكية فإيران قد تلجأ إلى مليشياتها لإشعال شرارة الحرب بعيداً عن الحكومة العراقية.

أمام واشنطن فرصة كبيرة لخفض المواجهة بين الطرفين من خلال السماح للقوات العراقية الفدرالية باستعادة المناطق التي استولى عليها الأكراد عام 2014 والتمهيد لذلك من خلال المفاوضات، لكن هذا الأمر متعلق بأمر واحد وهو هل أمريكاً فعلاً تريد مواجهة أم تسوية بين الطرفين؟!.

إن اندلاع مواجهة بين الأكراد والمليشيات الشيعية في العراق له انعكاسات على السياسات الأمنية التي تحاول واشنطن رسمها في المنطقة وأبرز هذه السياسيات طمس الوجود السني في العراق، بالإضافة إلى تأخر حسم نتائج معركة "داعش"، كذلك فإن المعركة مع الأكراد في العراق سوف تضع عراقيل أمام تقدم قوات سوريا الديمقراطية الكردية التي تدعمها واشنطن للوصول إلى البحر المتوسط على حدود تركيا، ويترتب على ذلك وقف استنزاف الجيش التركي في سوريا، بالإضافة إلى طبيعة الصراع في سوريا.