نجحت مصر اخيرا في لم الشمل الفلسطيني من جديد بعدما استطاعت جمع طرفي النزاع والانقسام الفلسطيني الذي دام 11عاما عانى فيها الشعب الفلسطيني الغزي ويلات الحصار والدمار والفقر الى جانب المشكلات التي مست صميم حياته المعيشية.

فلقد شهد ملف المصالحة الفلسطينية تحركات دبلوماسية مصرية كثيفة خلال الايام والاسابيع السابقة وهو ما يطرح الاسئلة التالية ما الاسباب التي دفعت مصر للتحرك جديا في هذا الملف وهل تستطيع فعلا انجازه في ظل العقبات والمشكلات  التي قد تكون عقبه في طريق انجازه وما هو المطلوب من أجل انجازه؟

يرى الكاتب والمحلل السياسي عبد العظيم قنديل أن هذه التحركات الدبلوماسية جاءت انطلاقا من المسؤولية التاريخية لمصر عن قطاع غزة الذي تعتبره ساحة خلفية لها وتحكمها في مخرجات القرار الفلسطيني الرسمي بما يتماشى مع عملية التسوية في المنطقة إدراكًا منها لأهمية إنهاء الانقسام الداخلي ما بين حركتي فتح وحماس في الضفة الغربية وقطاع غزة ووجود مصلحة لمصر في الوصولَ إلى تسوية سياسية وترتيب البيت الفلسطيني لاسيما وأن ذلك سيساعد في تكوين جبهة موحدة للتفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي حول حل الدولتين وقضايا اللاجئين وتعزيز مكانة مصر الاقليمية في مواجهة قطر وايران وجهودها الرامية  لترويض الحركات الفلسطينية كما أن مصر لا يتوقع منها أن تتخلى عن موقفها السلبي من حكم حماس ، كما أن اتفاقات السلام بين مصر و الكيان الصهيوني ستظل بوصلة لعلاقة مصر بالقضية الفلسطينية.

أضاف: "هذا الجهد المصري هو استكمالا للدور المصري السابق من أجل تفعيل اتفاق المصالحة الذي تم توقيعه عام 2011 ويقضي بتشكيل حكومة انتقالية تضم شخصيات مستقلة تمهيدا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ولكنه لم يطبق في حينها بسبب الخلافات على اليات العمل والتطبيق الامر الذي أعاد الامور الى المربع الأول من الانقسام الذي اتسعت رقعته مع مرور السنين".

بدوره أشار الكاتب والباحث منصور عبد الكريم الى أن دخول القاهرة على خط المصالحة واحتواء حركة حماس واعطائها ضمانات عربية ودولية كان عاملاً إيجابياً في تحرك الحركة باتجاه المصالحة وهذا ما أكده بيان اللجنة الرباعية الذي رحب بالجهود المصرية ورفع الحظر عن المساعدات الدولية لغزة بعد تولي حكومة التوافق لمهامها في غزة.

قال: "حركة حماس وعقب إصدارها لوثيقة المبادئ والسياسات العامة التي ساعدتها على التقارب مع القاهرة برزت لديها الارادة السياسية الحقيقية لإنهاء الانقسام والذي أكد عليها مسؤول الحركة الجديد  في غزة، يحيى السنوار والذي دلت مجمل تصريحاته على توجه الحركة نحو ارادة حقيقية لإنهاء الانقسام مهما كلفها الثمن"  

أضاف: "في المقابل ان رفع الفيتو الأمريكي والاسرائيلي عن المصالحة الفلسطينية هو بمثابة ضوء أخضر للرئيس عباس للمضي قدما في المصالحة وقد يكون مجبرا عليها من أجل ابرام صفقة القرن التي تحدث عنها الرئيس الامريكي ترامب في حل وانهاء القضية الفلسطينية وفق الرؤية الامريكية الجديدة وذلك لا يكون الا من خلال فرض السلطة الوطنية سيطرتها على الضفة الغربية وقطاع غزة"0

من جهته لفت  المحلل السياسي أكرم عطالله الى ان تردي الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في قطاع غزة والتي زادت حدتها  بعد الإجراءات العقابية التي فرضها الرئيس عباس ضد قطاع غزة من تقليص لكمية الكهرباء واستقطاع لرواتب الموظفين ومنع التحويلات للعلاج بالخارج  والتي أدت لتأزيم الوضع الاقتصادي في غزة بهدف اجبار حركة حماس على السير باتجاه المصالحة من أجل استعادة السلطة السيطرة على قطاع غزة استباقاً للتطورات السياسية خاصة في ظل الحديث عن قرب طرح الولايات المتحدة الأمريكية خطة سلام قد يكون قطاع غزة جزء أساسي منها وفشل تجربة حكم الإسلام السياسي في المنطقة وتراجع المشروع الأمريكي الذي كان يستند على حركات الإسلام السياسي في المنطقة واستمرار الأزمة الخليجية التي شكلت ضغوط على استمرار الدعم القطري لحركة حماس وانتشار الفساد والمحسوبية في مؤسسات غزة  وتكاليف بقاء الحركة في حكم غزة جلها أسباب دفعت حماس مجبرة  للقبول بالمصالحة. 

وألمح الى أن المصالحة رغم ملفاتها الشائكة ليست مستحيلة اذا ما توافرت الارادة الحقيقية من الطرفين وكان هناك دور مصري يهدف لاحتواء حماس واعطائها ضمانات دولية وعربية بحفظ مكانتها وممارسة ضغط أكبر على الرئيس عباس وحركة فتح والتلويح بعصا المقاطعة اذا ما تم رفضهم للشروط المصرية التي كان لحماس الدور الاكبر في سحب البساط من تحت أقدامهم ومبادرتها للتجاوب مع الطرح المصري وشروط عباس وحل اللجنة الادارية وتمكين حكومة التوافق والموافقة على اجراء الانتخابات.

ان المتتبع لسياسة حركة حماس يجد أنها سارت في اتجاهين متوازيين حيث أبرمت تفاهمات مع ما يسمى التيار الإصلاحي  في حركة فتح الذي يقوده دحلان المعروف بعلاقته الوثيقة بالسلطات المصرية لمصلحتها في ترميم علاقتها بالقاهرة والتلويح به في وجه عباس كبديل يمكن التعويل عليه في حال انسداد الافق والتخفيف من وطأة الأوضاع المأساوية في غزة ورسخت إمكانية تحقيق مصالحة مع الرئيس عباس لأنها هي التي تؤسس لإنهاء الانقسام وايضا  كسب رضا مصر عن خطواتها  تجاه المصالحة الامر الذي قد تستغله مصر في خدمة أهداف دحلان.

يرى كثير من المحللين والمواطنين أن تصريحات عباس الاخيرة التي قال فيها "أن حماس جاءت الى المصالحة مرغمة ولن نرفع اجراءاتنا الاخيرة ضد غزة الا عندما تتمكن الحكومة بشكل كامل من المعابر والاجهزة الامنية والوزارات وانا مش مستعجل" أنها صادمة وغير مسئولة ولا تدعوا للتفاؤل  وقد تنسف كل الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام.

بينما المواطن الفلسطيني الذي عبر عن تفاؤله تجاه المصالحة هذه المرة لا يعنيه سوى أن يرى المصالحة وقد طبقت واقعا عمليا لأنه يدرك حقيقة أن المصالحة تعني له الكثير من حلول لمشاكل عانى منها على مدار 11 عاما تمثلت في الحصار والفقر والبطالة وانقطاع الكهرباء واغلاق للمعابر وغيرها.

حيث عبر الشاب ياسر الاطرش عن سعادته الغامرة لأن حقبة الانقسام قد انتهت بتتويج المصالحة بين حركتي فتح وحماس معربا عن أمله في أن تكون النوايا صادقة لدى الطرفين لإنهاء أزمات غزة.  

أما المواطن عبد الرؤوف محمد فيقول: "المتضرر الاول والاخير من الانقسام هو المواطن المغلوب على أمره فلا كهرباء ولا عمل ولا امكانيات وانتشار للفقر والبطالة والمصالحة تعني لي توفر كل ما سبق وانهاء لمعاناة كثير من الناس"  مضيفا: "هذه هي المرة الأولى التي أشعر بجدية الحديث عن المصالحة بين طرفي الانقسام الأمر الذي يساهم بشكل كبير في توحيد شطري الوطن وانهاء المشكلات المتراكمة وفتح أفاق جديدة والتطلع الى مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا".

بينما يشعر المواطن يوسف يعقوب بالتفاؤل الكبير هذه المرة تجاه المصالحة قائلا: "الضغوط الخارجية والدولية هي التي أجبرت الطرفين للقبول بالمصالحة وهذا ما يعطيني أمل بأنها ستنجح هذه المرة".

ومهما يكن من أمر المصالحة فيمكن القول انها ما كانت لتتحقق لولا تدخل وضغط خارجي تم ممارسته على طرفي الانقسام وقبول دولي واعطاء ضوء أخضر للمضي فيها من خلال رفع الفيتو الأمريكي والاسرائيلي عنها ورغم ذلك فمن المؤكد أن هذه المصالحة هي مصلحة فلسطينية في الدرجة الاولى والشعب الفلسطيني هو المستفيد الأكبر منها أيا كانت درجة استفادة الأطراف الاخرى منها.