صام المسلمون عاشوراء وتلجلجت في دواخلهم ذكرى اليوم الذي نجى الله فيه موسى ومن معه من بطش فرعون وجنده ولا ينبغي أن يتجاوز المسلم هذه الحادثة التاريخية دون أن يأخذ الذكرى في هذه الذكرى.

والمتأمل بعين البصيرة فيما قصه الله في كتابه في مواضع عده تحكي صور الصراع المحتوم بين الحق والباطل فيتمثل له عسكر الحق مع موسى وعسكر الباطل مع فرعون = يجد الدروس والعبر وتتجلى فيه سنن الله الكونية التي تحكم فصول الصراع وترسم معالمه وتكشف مقوماته.

ولك أن تستل مشهدا من القصة وتتخطى عددا من الصولات والجولات إلى أن تصل إلى المشهد الأخير حين فر موسى ومن معه فاضطرهم الحال إلى مصير مجهول فالبحر أمامهم وفرعون بجنده خلفهم يتخايل لهم الهلاك في كل اتجاه فإما الموت غرقا في البحر أو القتل بسيوف فرعون, وهنا الناظر بعينه يرى الهلاك المحقق فلا مفر ولا منجى }قال أصحاب موسى إنا لمدركون{ لكن موسى ينظر المشهد ببصيرة الإيمان ونور التوكل فيقول  }كلا إن معي ربي سيهدين{ وهذه حقيقة التوكل على الله حين يستقر في القلب اليقين بكمال كفاية الله لعبده.

قف وترقب كيف سيكون الفرج؟ وأين المخرج؟ ولا تقفز مباشرة إلى النتيجة بل انظر إلى سنة الله في نصر عباده المؤمنين فقد جرت سنن الله على تعليق الأمور بمسبباتها والنتائج بمقدماتها فلا نصر مع التواكل ولا فرج مع القعود }فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر{ لك أن تعجب ما عسى لهذه العصا أن تفعل ببحر! لا شيء.. إلا تحقيق سنة من سنن الله الحكيم بتفعيل الأسباب, فالتوكل على الله لا يعارض الأخذ بالأسباب بل هو من تمام العقل ومقتضى الشرع, وفعل الأسباب مطلوب وإن كانت ضعيفة في ذاتها وشواهد ذلك كثيرة جدا في كتاب الله, والعصا هي هي التي أمر الله موسى أن يضرب بها الأرض لتتفجر منها العيون.

وفي مشهد آخر نرى مريم امرأة ضعيفة أرهقها المخاض يأمرها الله جل جلاله بهز جذع نخلة ليسقط منه رزقها رطبا جنيا! , أو ترى أيوب عليه السلام بعد أن أعياه البلاء وخارت قواه يأمره الله أن يضرب الأرض برجله الكليلة لينبع له منها ماء فيه شفاؤه! هي سنة الله بتعليق الفرج والنصر والرزق بفعل الأسباب!

فإذا أرادت الأمة أن يكتب الله لها النصر والعز والتمكين والفرج فعليها أن تجتهد في تحقيق أسبابها وتسعى في المتاح بجد فيرى الله صدقها فسنن الله لا تحابي أحدا }ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة{ فصدق الأمة في إرادة الخروج من كربها يجب أن ينعكس في واقعها إعدادا وعملا.