نجح مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق في تنظيم الاستفتاء الذي حدث الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 وأعلن عن نتائجه بالتصويت بأغلبية مطلقة بنسبة تزيد عن 92% بالموافقة على استقلال كردستان العراق عن الحكومة العراقية، الأمر الذي نتج عنه إغلاق الملاحة الجوية وتحركات اقتصادية وربما قد تتطور إلى عسكرية من قبل الحكومة العراقية والحكومة التركية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تنفيذ هذا الاستفتاء وإعلان نتائجه، ومواجهة كل القوى الرافضة لاستقلال كردستان العراق، ستفضي إلى نتائج إيجابية لصالح برزاني والقيادات الكردية التي تسعى لتأجيج المشاعر القومية لدى الأكراد، وإيهامهم بصناعة حلم "الاستقلال" من دون النظر إلى عواقب تلك الخطوات التي بدأت منذ اللحظات الأولى لإعلان النتائج.

الكثير من التحليلات تنظر إلى أن اندفاع برزاني وأنصاره لم يكن هدفه سوى مزيد من الضغط على الحكومة العراقية من أجل الحصول على مزيد من الامتيازات على المستوى الشخصي وعلى مستوى الاقليم والتي بموجبها تستفيد ثلة من المنتفعين القابعين على رقاب الأكراد والمستفيدين من تضحياتهم.

مجرد أن تم إعلان نتائج هذا الاستفتاء حتى جاءت ردود الأفعال الدولية والاقليمية الرافضة له، فالولايات المتحدة الأمريكية أعلنت عبر وزير خارجيتها ريكس تيلرسون إن واشنطن لا تعترف بنتائج استفتاء انفصال إقليم كردستان العراق، وأن نتائجه تفتقر للشرعية، في حين أعلنت تركيا عبر رئيسها رجب طيب أردوغان رفضه للاستفتاء الذي وصفه "بفتح جرح جديد في المنطقة" مهدداً بفرض عقوبات اقتصادية على إقليم كردستان، أما الحكومة العراقية في بغداد فقد اتخذت اجراءات تنفيذية تمثلت برفض هذا الاستفتاء، وتعليق شركات الطيران الدولية رحلاتها الجوية إلى كردستان العراق، والتحرك لاستعادة المعابر الحدودية مع الاقليم بالتنسيق مع إيران وتركيا، بالإضافة إلى تحركات إيرانية توازي التحركات التركية والعراقية.
وهنا يضاف تساؤل آخر: هل كان يدور في خلد مسعود برزاني وهو يتحدى بتنفيذ الاستفتاء وإعلان نتائجه أن تكون رد فعل الحكومة العراقية والدول الاقليمية رافضة كل الرفض للاستفتاء، أم أن الرجل يستند إلى غطاء دولي جعلته يتقدم واثق الخطى دون اعتبار لكل تلك التهديدات، ولماذا يقدم البطولات الشكلية على حساب أمن ومصلحة إقليم كردستان عندما أعلنها أمام الشعب المغلوب على أمره "سنموت من أجل تحقيق أهدافنا"!!

ومن خلال المتابعة البسيطة يتضح أن جوهر الموضوع: "الدعم الصهيوني" المفتوح لأكراد العراق سعياً وراء تفتيت المنطقة وتقسيمها بعد نجاح فكرة تقسيم السودان، والخطط قادمة نحو أكراد سوريا، وأكراد تركيا، وفصل جنوب اليمن، ومن ثم الانتقال إلى غيرها.

ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية مهدت لهذه التطورات عبر إعطاء السلطات المحلية الكردية كل الصلاحيات والدعم السياسي، وتمهد لتطورات مشابهة في الشمال السوري، إلا أنها كانت من ضمن القوى الرافضة للاستفتاء، لكن دولة واحدة فقط وقفت مؤيدة لمطالب الانفصال، ألا وهي "دولة الكيان الصهيوني"، عندما أطلق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تصريحات تؤيد " جهود الشعب الكردي المشروعة لقيام دولته"، مؤكداً أن المشروع الكردي يخدم الأهداف الأمنية والاقتصادية للكيان الصهيوني كما سيحسن علاقة الكيان بالجوار فضلاً عن تصريحات أخرى مماثلة لرئيس أركان الجيش الصهيوني السابق يانير غولان، إضافة إلى النشاط الاستثنائي لللوبي الصهيوني في واشنطن في التسويق لفكرة دعم مطالب الانفصال عبر تنظيم مظاهرات يمتزج فيها العلم الكردي بعلم دولة الاحتلال الصهيوني، فضلاً عن تحركات الدوائر السياسية والإعلامية في الداخل الصهيوني لدعم استفتاء كردستان العراق، من أجل خلق مزيد من الأزمات في الداخل العراقي، وإضافة بلد جديد في مشروع التقسيم.

غير ذلك فإن هذا الاستفتاء كشف عن حجم الصراع بين النخب العراقية على التركة التي وزعها المحتل الأمريكي بين الأكراد والأحزاب الشيعية وتغييب دور القوى السنية في البلد، فضلاً عن تعزيز ثقافة الانقسام والطائفية وتمكين الأقليات في حكم الأغلبيات وفق منطق مخالف للأنظمة الغربية الديمقراطية التي تتغنى بها الدول العظمى.

مغامرة كردية قادها برزاني وثلة من النخب الفاسدة، قد تقود إقليم كردستان العراق إلى مذبحة اقتصادية خانقة، وتدخل عسكري متوقع، وصراعات جديدة في سياق مشروع التفتيت في جسد الأمة لصناعة سايس بيكو جديد يقسم المقسم ويجزأ المجزأ، بطلها الكيان الصهيوني.