لم يعد أمر الخلاف والشقاق بين عصابات الانقلاب في اليمن ممثلة بحزب علي عبدالله صالح من جهة وجماعة الحوثي من جهة أخرى، أمر خفي، فقد كشفت الأحداث الأخيرة وتحديداً الأسبوعين الماضيين مدى تفاقم الأزمة الداخلية بين شريكي الانقلاب وناهبي ثروة البلاد.

تطورات الصراع تجاوزت الشتائم والتصريحات التلفزيونية والمواجهات الإعلامية عبر وسائل الإعلام والحشود المضادة في العاصمة صنعاء، إلى المواجهة العسكرية الواقعية، حيث حدثت مواجهات مسلحة بين نقاط تابعة للحوثيين وقيادات عسكرية تابعة لعلي عبدالله صالح مما أدى إلى مقتل مدير مكتب نجل صالح المقدم خالد الرضي برصاص الحوثي، بالإضافة إلى قتلى وجرحى من الطرفين.

سبب تلك المواجهات هو مرور موكب مسلح للعقيد صلاح، نجل علي عبدالله صالح، ورفضت النقاط الحوثية مرور الموكب بالسلاح مما أدى إلى تلاسن الطرفين وبداية المواجهات، تأثراً بحالة الصراع الداخلي والمواجهات الكلامية عبر وسائل الإعلام.

بيان حزب المؤتمر الشعبي العام كان واضحاً وصريحا باتهام الحوثي بقتل أحد قياداته، الذي كان يعمل نائباً لرئيس دائرة العلاقات الخارجية بالمؤتمر الشعبي العام، وأكد البيان أنه تم الغدر به ونهبه في جولة المصباحي أثناء عودته من مقر عمله من قبل جماعة وصفها بأنها لا تعرف الأخلاق والعهود والمواثيق. 
وعندما أراد علي عبدالله صالح وأنصاره إقامة تظاهرة شعبية في ميدان السبعين في 24 أغسطس بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب، كان للحوثي موقف آخر، حيث أعلن عن حشود مضادة في بوابة العاصمة صنعاء ومنع الكثير من أنصار المؤتمر من دخول العاصمة، وعند انتهاء حشد صالح تحركت مواكب طويلة من الأطقم العسكرية الحوثية إلى ميدان السبعين في عرض عسكري مفاده إرسال رسالة بأنه لم يعد لصالح أي مجال للتحرك دون العودة إليهم حتى ولو كان له قاعدة شعبية.

وسائل الإعلام التابعة للطرفين أظهرت بل وزادت من تعميق هذه الأزمة بين فرقاء العصابة الواحدة، وعلى ما يبدو أن كل طرف يريد أن يختبر مدى قدرة الطرف الآخر من أجل الاستعداد لفض الشراكة، بعد أن تحقق عامل التحالف بين الطرفين المتخاصمين ألا وهو إسقاط الدولة والسيطرة على السلطة والثروة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذه الأحداث، من هو الطرف الأقوى بين الشريكين المتخاصمين، ومن بيده القدرة على تجاوز الآخر، وما هي أسباب هذا الشقاق وتأثيرها على الواقع اليمني؟.

من وجهة نظر بحثية موضوعية نجد أن جماعة الحوثي قد تجاوزت علي عبدالله صالح وحزبه بكثير، حيث أوقعت يدها على السلاح والمناصب الحكومية ووزعت مليشيات مدنية أطلقت عليها اللجان الشعبية على كل المقار الحكومية حتى أصبح المشرف الحوثي هو من بيده القول والفعل في أغلب الجهات الحكومية بالمناطق الخاضعة لسلطة الانقلاب.

كثير من القيادات العسكرية والمدنية تم فصلهما من وظائفهما في الأجهزة الأمنية والشرطة وقوات الجيش، والكثير من المناصب الحساسة في الحكومة، بل وصل الأمر إلى اعتداء اللجان الحوثية على وزراء ووكلاء وزارات دون أن يكون لحزب صالح أي ردود أفعال سوى الجنوح نحو التهدئة.

خطاب علي عبدالله صالح في ميدان السبعين وسط حشود كبيرة من الجماهير المناصرة له كان مفاجئاً وصادماً، حيث كان الناس ينتظرون أن يكون له موقف من الانتهاكات الحوثية ضد أعضاء حزبه لكنه ظهر بصورة الضعيف غير القادر المواجهة فذهب يتحدث عن العدوان وعن ضرورة رفد الجبهات بالمقاتلين.

واقعياً لو كان علي عبدالله صالح يملك القدرة على الانقلاب على شريكه الحوثي لفعل ذلك دون تردد، فهو الشخصية الطامحة للتفرد والسيطرة، وحلم العودة إلى الحكم، فضلاً عن العداء السابق مع الحوثي والظروف الاقليمية التي تهيئ حزب صالح للعودة إلى المشهد.

أما الحوثي وخطابه الإعلامي فقد بات واضحاً أنه لم يعد يأمن بالشراكة مع علي عبدالله صالح، حيث يخشى الانقلاب عليه خصوصاً مع الصراع القديم بينهما منذ الحروب الستة في صعدة عام 2004 وحتى 2009، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال خطاب عبدالملك الحوثي الأسبوع الماضي الذي تحدث عن الشريك الذي يطعن من الخلف.

بوادر الخلاف والشقاق عميقة جداً، مهما حاول قادة الطرفين أن يخففوها عبر لقاءات ثنائية شكلية، ولجان صلح قبلية وسياسية، لكن الشحن الإعلامي والمواجهات الكلامية بين القواعد حامية في أشدها، وكل طرف قابض على الزناد خوفاً من الآخر.

فيما لو حدثت المواجهة العسكرية بين الحوثي وصالح فإن تأثيرها سيكون كبيراً على المستوى المحلي، فالطرفين يملكون السلاح الثقيل والمتوسط ويخزنونه داخل المباني السكنية وفي الأحياء المكتظة بالسكان، وستكون المواجهة من باب إلى آخر وستزيد من معاناة اليمنيين، لكنها من جهة أخرى فرصة سانحة للشرعية والتحالف العربي في الانقضاض على الانقلاب واستغلال هذا الشقاق من أجل تحقيق تقدم عسكري ومحاولة استجلاب قيادات الجيش التي يقاتل مع صالح باعتبارها الأصلح في التفاوض والتشاور والوصول إلى نقاط اتفاق للحل.