الحمد لله الخلاق العليم؛ { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } [الأعراف: 189] نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار التائبين، ونسأله من فضله العظيم، فهو الجواد الكريم، الرب الرحيم، وأشهد أن لا له إلا الله وحده لا شريك له؛ أباح الطلاق درء لما هو شر منه، وأمر المطلقين بتقوى الله تعالى فيه { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } [الطلاق: 1] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أوصى الأزواج بتحمل ما يكرهون من نسائهم، وتلمس ما فيهن من المحاسن فقال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ولا تفرقوا دينه فتأخذوا منه ما لا تهوون. اتقوه في عباداتكم وفي معاملاتكم وفي بيوتكم ومع أسركم وفي كل شئونكم وأحولكم {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2- 3].

أيها الناس: انتشار الطلاق في مجتمع ما يدل على خلل في ذلكم المجتمع، وهذا يحتم على المعنيين بالإصلاح بحث أسباب ذلك لتلافيها، وإيجاد العلاج لتقليل نسب الطلاق.

وثمة أسباب للطلاق جمعها بعض من اشتغلوا في توثيق عقود الطلاق ومحاولة الإصلاح ليعلمها الناس فيجتنبوها.

فمن أسباب الطلاق: تقصير أهل الزوجة في السؤال عن حال الزوج، وكتمان أهل الزوجة ما فيها من عيوب وخلل في دينها أو خلقها أو جسدها. وكم من فتاة فوجئت بأن زوجها مدمن خمر أو مخدرات، وما كانت لترضى به ولا أهلها يرضونه لبنتهم لو علموا ذلك، ولكنه تقصير الأولياء في السؤال، وغش من سألوا عنه، والواجب على من سئل عن أحد أن يبين ما فيه ولا يحابيه ولو كان أقرب الناس إليه. وحجة ذلك حديث فاطمة بنت قيس لما طُلقت، قَالَتْ: «فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ» رواه مسلم.

ومن غش الناس في بناتهم وأخواتهم لأجل أقاربه وأصحابه عوقب بمن يغشه في بناته وأخواته جزاء وفاقا. وكم من زوج فوجئ بعيوب في زوجته كتمها أهلها ما كان ليرضى بها لو علمها، وهم كتموها حرصا على زواجها فضروها من حيث أرادوا نفعها.

ومن أسباب الطلاق: عدم الكفاءة بين الزوجين في الدين والأخلاق والمكانة الاجتماعية؛ فتكون ذات دين عند من لا دين له فيقهرها على فساده وانحرافه، أو يكون ذا دين وهي تتساهل بالمحرمات في بيتها ولبسها فيقع الشقاق بينهما. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» وفي حديث آخر: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». أو يكون أعلى مكانة من أهلها أو أغنى منهم فيحتقرها ويظلمها، أو تكون هي أعلى مكانة منه أو أغنى فتتفاخر عليه وتضجره. وكلما تقارب المستوى الاجتماعي للزوجين كان أدعى لاستمرارهما.

ومن أسباب الطلاق: التقصير في جنب الله تعالى، والتهاون بطاعته، وانتشار المنكرات في بيت الزوجية كالمعازف ونحوها. مما يكون سببا في ضيق الصدور، وتسلط الشياطين، وثوران الزوجين أو أحدهما عند أدنى مشكلة، وفي حديث جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» رواه مسلم. ولا يظفر الشيطان وأعوانهم من بيت وأسرة إلا إذا تهدمت حصونهم من الذكر والقرآن، وفشت فيهم المنكرات، وضعفت فيهم الطاعات، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «...إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» رواه مسلم.

ومن أسباب الطلاق: الغيرة المفرطة التي تؤدي إلى شك أحد الزوجين في الآخر، فلا يثق هو بها، ولا تثق هي به، وكل تصرف من أحدهما يفسره الآخر بموجب هذا الشك. والشيطان يوقد نار الفتنة بينهما. وفي ضبط الغيرة ووزنها قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ...»رواه أبو داود.

وبعض الأزواج يلعب ببنات الناس فيعاقب بشكه في أهله جزاء وفاقا، ومنهم من يعمل في أجهزة مكافحة الجرائم والتجاوزات الأخلاقية، فيرى كثرة الخيانات، ثم ينعكس ذلك على سلوكه فلا يثق بامرأة قط ولو كانت أمه. ولو عقل لعلم أن ما يرد إليه من قضايا مهما كانت كثرتها لا يمثل إلا شيئا قليلا جدا بالنسبة لأعداد الناس، فيصاب بمرض الشك في أقرب الناس إليه وهو لا موجب له.

وكم طُلق من نساء، وشتت من أسر بسبب سوء استخدام وسائل التواصل الجماعي، فصار الزوج يراقب زوجته وهي تراقبه، وكل واحد منهما يفتش أجهزة الآخر، فزالت الثقة بينهما، وعند أدنى ظن أو زلة يقع الطلاق، ويتقاذفان الاتهام. ومراقبة الله تعالى في السر والعلن أساس كل خير، وسبب كل فلاح وذلك بأن «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».

ومن أسباب الطلاق: جهل كل واحد من الزوجين بحقوقه وواجباته، فيظن ما ليس بحق له حقا له، ويقصر في واجباته ولا يعلم أنها واجبات، فيكون الشقاق المؤدي إلى الطلاق. ولو علم كل واحد من الزوجين ما عليه من الواجبات فأداها، وما له من الحقوق فلا يتجاوزها؛ لقضي على كثير من الخلاف بين الزوجين، واستقامت حياتهما.

نسأل الله تعالى أن يصلح بيوتنا وبيوت المسلمين، وأن يجنبها أسباب الشقاق والفراق، وأن يجعلها بيوتا عامرة بذكره وطاعته، تظللها الرحمة والمودة والسكينه، إنه سميع مجيب.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم....

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [البقرة: 237].

ومن أسباب الطلاق: تهديد الزوج زوجته بالطلاق ليردعها عن عمل تعمله، فيفاجأ بعنادها، فتأبى عليه عزته إلا أن يلقي الطلاق عليها وينفذ تهديده، وهو في باطنه لا يريد طلاقها. ولكنه الحمق الذي وضعه في هذا الموضع. ومن الأزواج من إذا غضب فليس على لسانه إلا الطلاق. والطلاق لا يصلح أن يكون سلاح تهديد أبدا، ولا ينبغي أن يشهر في حال الغضب؛ لأنه إجراء يجب أن يتخذ عن قناعة وهدوء إذا سدت جميع منافذ التفاهم بين الزوجين، وأصبحت شراكتهما في الأسرة غير ممكنة؛ فيتفرقا ليبحث كل واحد منهما عن رزقه { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } [النساء: 130].

والله تعالى ما جعل العصمة بيد الرجل، والطلاق إليه، إلا ليحسن التصرف فيه. لا ليهدم الأسرة به في حال غضب وحمق، ثم يدور على المفتين يبحث عن حل لما ارتكب من حماقة في حق زوجه وولده وبيته، وقد يجد وقد لا يجد، مع ما أحدثه من أثر عميق في قلوب أفراد أسرته؛ إذ أثبت بتهوره وعجلته أنه يمكنه الاستغناء عن زوجه وولده ومفارقتهم في أي لحظة، وهدم بيته بلسانه.

والواجب على الزوج إن رأى نشوزا ومعصية في زوجته أن يتدرج في العلاج كما أمره الله تعالى، فيبدأ بالموعظة والنصح بلين ورفق، فإن لم ينفع فبالهجر وإظهار الغضب بصمت، فإن لم ينفع فبشيء من التهديد والضرب غير المبرح، وليس له أن يجعل الطلاق أول حل وآخره، وعند أدنى مشكلة، وأتفه سبب { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } [النساء: 34].

وصلوا وسلموا على نبيكم...