“أسلوب حياتنا مهددٌ من قبل الإسلام الراديكالي وهيلاري كلينتون لا يمكنها حتى أن تلفظ هذه العبارة “. هكذا غرّد دونالد ترامب خلال حملته الرئاسية. ما من فرق حقيقةً بين خطابه وخطاب تنظيم "داعش" في بلاد الشام (داعش) في هذا الصدد: كلاهما يقول إنّ هناك حرب مستعرة بين الإسلام والغرب.

الهوة الأكبر أن السياسات التي تتبعها واشنطن على مستويات عدة ومن بينها التعليم في منطقة العالم الإسلامي تجد الكثير من المندفعين باتجاهها، فهؤلاء الذين يميلون للانبهار بالتجارب الغربية بطريقة خانعة للغاية، متجنبين الفوارق الكبيرة بين الغرب والشرق، سواء كانت تلك الفوارق تتعلق بالظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو الدين، ذلك نوع من أنواع العبودية الثقافية تفضله واشنطن لأنه يصنع خنجراً في خاصرة حضارة حكمت العالم يوماً ما وهي الحضارة الإسلامية.  بالتزامن مع انتفاضة القدس خرج حاخام اليهود الأكبر يتسحاق يوسف في موعظة دينية يطالب بقتل الفلسطينيين، لم يجد هذا الحاخام أحد يتهمه بالإرهاب، أو بالتحريض أو الكراهية، كذلك لدينا تجارب كبيرة من التحريض على المسلمين، ففي يناير من العام الجاري قتل 6 مصلين في أحد مساجد مقاطعة "كيبيك" الكندية برصاص قومي مسيحي، ولم يخرج أي مسؤول غربي قائلاً " إن مناهج التعليم تحرض على الإرهاب في كندا!".

الأيام الماضية أثار انتباه الكثير من الأكاديميين السعوديين مقطع فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فيه مسؤول أمريكي يدلي بشهادته أمام الكونغرس حول مناهج التعليم في المملكة العربية السعودية، وبحسب هذا المسؤول فإن المناهج الدراسية السعودية للعام 2017 تحرض على " الإرهاب" و" العنف" و"كراهية المسيحيين واليهود والكفار".

وخلال حديثه الطويل قال المسؤول الأمريكي " في شهر مايو نشرت قائمة طويلة بالجمل في المناهج السعودية لهذا العام، وشملت كل هذه الجملة باللغة العربية في شهادتي وجدت جمل في المناهج السعودية تحرض على قتل الناس لأفعال يعتبرها القانون الأمريكي حريات شخصية، مثل "الزنا" وفعل قوم لوط و"التخلي عن الإسلام"، أو الأفعال المتعلقة بالسحر، كذلك تشمل الكتب جمل متعلقة بمعادات السامية والمسيحية، وتذكر غالبا على انها معادية للصهيونية".

و أضاف: "ذكر أحد الكتب أن المسيحية دين باطل محرف، واخر اتهم الصهيونية بالتخطيط لإنشاء حكومة عالمية يهودية، وكتاب ثالث وصف الصهيونية بالأخطبوط واتهمها بالتخطيط لهدم الأقصى والأمة الإسلامية، وكتاب أخر ذكر ان مصاحبة الكفار محرم..".

 الردود السعودية على هذا الاستهداف للمملكة اقتصر على شخصيات أكاديمية وناشطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي منها ما جاء على لسان الشيخ عبد العزيز الفوزان، "مناهج التعليم التي تربي الأجيال قضية سيادية لا يجوز لدولة أخرى أن تتدخل فيها وإن كان تحريم الشرك والزنا والشذوذ إرهابا فكل المسلمين إرهابيون!"

بدوره قال الأكاديمي في جامعة الملك سعود أ.د. عبدالرحمن الطريري "مئات الملايين قتل الغرب في حروبه واستعماره ونهبه خيرات الآخرين ويفتش في مناهجهم بحثاً عن إدانة، الكونجرس يناقش مناهجنا #تدخل_في_شؤوننا".

استهدفت واشنطن في عملية تغيير المناهج العديد من بلدان العالم الإسلامي مثل مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، والهدف هو إبعاد التأثير الديني على شخصية الطالب، وهذا الأمر يفضي إلى إيجاد مجتمع علماني غير مرتبط بشريعة الإسلام التي تضبط سلوكياته، وترفع من شأنه.

الاستهداف الأمريكي للمملكة العربية السعودية لم يكن على صعيد التعليم بل سبق ذلك ما عرف بقانون "جاستا" الذي يستهدف الدول الداعمة للإرهاب، وما يظهر من طبيعة الإملاءات الأمريكية والممارسات والضغط التي تمارس على المملكة أنها سياسة تركيع تهدف لإخضاع سياسيات المملكة الداخلية للهيمنة الأمريكية، فواشنطن تعلم أن القوة الأكثر تأثيراً بالنسبة لنفوذ السعودية هي القوة الدينية التي جعلت للمملكة نفوذ في كل العالم الإسلامي، كما أن المملكة تحظى بمكانتها بفضل رمزيتها الدينية لدى المسلمين، والقضاء على التأثير الديني داخلياً وخصوصاً في مؤسسات التعليم الرسمي يمهد الطريق إلى القضاء على التأثير الديني للمملكة خارجياً، فللمملكة مركزية وسبق في نشر المراكز الإسلامية والجمعيات الخيرية على مستوى العالم الإسلامي، كما أنها تمول برامج للتعليم الديني في جميع بلدان العالم الإسلامي.

 الأمر الآخر التي تسعى إليه واشنطن، هو تغيير هوية المجتمع السعودي المتدين، وهذا الأمر من شأنه أن يُوجِدَ انقساماً داخلياً بين جناحين، الأول يتجه نحو حالة التبعية الثقافية للغرب والولايات المتحدة والآخر يرفض التخلي عن هويته الإسلامية وتقاليده وعاداته وأحكام شريعته. تريد واشنطن من المسلم في أي مكان في العالم أن يتخلى عن تطبيق احكام الشريعة مثل شرب الخمور والزنا وغيرها باعتبارها حقوق شخصية لكنها في نفس الوقت تفرض قوانينها الخاصة التي تمنع ارتداء الحجاب وتقيد حركة المسلمين وتفرض عليهم إجراءات أمنية مشددة لمجرد كونهم مسلمين، لكن لماذا الاستهداف خاص بالإسلام وليس غيره من الأديان، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قتل الهندوس الآلاف من المسلمين ولا يزالوا يستهدفونهم حتى في طعامهم، ألا وهو لحوم الأبقار، لكننا لم نسمع يوماً أن السلطات الأمنية الأمريكية اعتقلت متطرف هندوسي أو أدانة أفعالهم!!، هل للأمر علاقة بوحدة الغاية والهدف واستعداء العالم الإسلامي، بالتأكيد نعم!.