منذ أن أكرم الله تعالى أمة المسلمين ببعثة عبده ورسوله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين وختم به النبوة لم تنقطع عداوة المشركين له ولما جاء به من ربه وذلك على مدى التاريخ كله، ورغم تعدد وسائلهم في ذلك إلا إن جميعها يصب في خانة واحدة وهي حرب الله ورسوله والمؤمنين به الحرب الفعلية وليس الحرب المجازية أو الكلامية، وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم حقد اليهود والنصارى وسائر المشركين على المسلمين وبغضهم لهم وإرادة السوء والشر لهم واتخاذ ما يمكن اتخاذه من الوسائل لتحقيق هذه الإرادة في واقع الحال، ولم تكن إرادة الشر بالمسلمين شيئا مستكنا في الضمير المحجبا بل كان ظاهرا ملموسا يعرفه من قصا ومن دنا وقد كان تمسك المسلمين فيما مضى بدينهم واعتصامهم بشرعه عاصما لهم من كيد هؤلاء الأشرار الفجار، لكن مع تغير الأحوال وابتعاد كثير من المسلمين عن دينهم وتهاونهم في التمسك بأحكام دينهم في مخالفة اليهود والنصارى والمشركين تمكن هؤلاء المشركين من الكيد للمسلمين بأساليب متعددة كان من  أظهرها شن الحرب العسكرية على ديار المسلمين واحتلال بلادهم ونهب ثرواتهم وقتل رجالهم وترميل نسائهم وتيتيم أطفالهم، لكن مع حالة المدافعة الشديدة من قبل المسلمين وصمودهم أمام هجوم المشركين المتنوع وإلحاق كثير من الأذى والجراحات بهم، بدأت الحرب تأخذ منحى جديدا فيما سمي بحرب الأفكار فهي أقل تكلفة وأبعد أثرا وكذا القدح في عقائد المسلمين ومحاولة إبعادهم عن ثقافتهم وتذويبهم في عادات وأعراف المشركين ولم تكتف الحرب في هذا الجانب على البعد الإعلامي ولكنها لجأت إلى البعد القانوني عن طريق سن تشريعات أو قوانين تلزم المسلمين في بلاد الكفر بالتخلي عن بعض أحكام الشريعة والتقيد بقوانين تلك الدول الكافرة، بل والتدخل بقوانينهم التي يحاولون تعميمها في البلاد الإسلامية نفسها، بدأت هذه الحرب الفاجرة أول ما بدأت بمحاولة التنقص من أفضل إنسان على وجه البسيطة وطأ بقدميه الحصى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين إلى الإنس والجن فيما عرف بالرسوم المسيئة التي بدأت ولم تنته.

ينبغي أن تكون هذه التصرفات الفاجرة والمسالك الردية موضحة لنا حقيقة العلاقة بيننا وبينهم وأن نستيقن من بغضهم لنا وأن لا ننخدع ببعض شعاراتهم البراقة التي لا مضمون نافع لها، قال الله تعالى مبينا حقيقة موقفهم من المؤمنين: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ {[3/118] }هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{ [3/119] }إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ{ [3/120]، وهذا يبين جهالة من يركن إليهم ويخلص الود والنصح لهم.

ينبغي أن يكون لنا تجاه هذه التصرفات الرعناء موقف عملي واضح ومحدد يتجاوز الشجب والاستنكار وبيانات التنديد ولئن جاز مثل هذا في حق الأفراد الذين لا يملكون أكثر من الشجب والاستنكار جهد العاجزين، فإنه لا ينبغي أن يكون هذا موقف الدول التي لها من الإمكانات والقدرة على اتخاذ التصرفات والمواقف التي يتجاوز ذلك بكثير، المواقف التي تتخذها بكل حسم وحزم عندما تتعرض دولهم أو إحدى مؤسساتها السيادية للنقد والتجريح، وعندنا من التاريخ القريب أن حروبا طاحنة قامت بين بعض الدول الغربية حدث فيها بعض من هذا التجريح فلا يجوز أن تكون هذه المؤسسات عندهم أعز عندنا من رموزنا التي نؤمن بها ونقدسها.

فصلاة ربي وسلامه عليك يا أطهر البشرية وأعفها فأنت كما قال الشاعر المسلم:

وأَحسنُ منكَ لم ترَ قطُّ عيني

وَأجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ

خلقتَ مبرءاً منْ كلّ عيبٍ .      

كأنكَ قدْ خلقتَ كما تشاءُ