للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يجتمع على اليمن عدة مصائب متفرقة، بدايتها بالانقلاب الحوثي الذي تسبب بحرب طاحنة في البلاد، أودت بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى وهدمت الحياة وكانت سبباً في نزوح ملايين اليمنيين إلى الشتات في الداخل والخارج، وثانيها بحالة العوز التي بلغت حداً لا يطاق، لتأتي الفاجعة الأكبر بمرض الكوليرا الذي انتشر بشكل سريع على 18 محافظة يمنية.

قرابة العامين مرت على اليمنيين وهم يحبسون أنفساهم، فالفقر والبطالة تزداد يوما وراء آخر، وزاد من حجم المعاناة دخول قرابة 1.5 مليون موظف حكومي في خانة البطالة بعد توقف الحكومة عن صرف مرتباتهم نتيجة الأزمة التي تمر بها البلد، أما القطاع الخاص فقد تدمر جزء كبير منه وضاعت أموال الناس وممتلكاتهم وأغلقت الكثير من الشركات والمؤسسات وأصبح العاملون فيها على رصيف الشوارع.

أكثر من 8 أشهر مرت على الموظفين في الدولة وهم ينتظرون فلا الحوثي قد لهم ما يسد حاجتهم ولا الحكومة الشرعية استطاعت أن توفر لهم الرواتب نظراً لرفض الحوثي تسليم عائدات الدولة من الجمارك والزكاة والضرائب وغيرها مما يدخل على حسابات الحكومة.

وزاد من حجم المعاناة تفشي مرض الكوليرا على الكثير من المحافظات اليمنية والنقص الحاد في الأدوية المضادة لهذا المرض، وحسب بيانات منظمة اليونسيف فقد ارتفعت حالات الوفاة بمرض الكوليرا في اليمن إلى 437 حالة في حين ارتفعت الإصابات إلى 52 ألفاً في 18 محافظة يمنية.

وذكرت المنظمة أن ما يقارب 7.6 مليون شخص يعيشون في مناطق متأثرة بمرض الكوليرا، وأكثر من 3 ملايين نازح معرضون تعرضاً خاصاً لخطر الإصابة بهذا المرض العضال.

الأخبار التي تأتي من اليمن يومياً مخيفة ومحزنة، ففي مدينة إب عمدت إحدى النساء إلى أكل السم مع طفلتيها مما تسبب بوفاتهم جميعاً بعد عجز الأم في توفر أساسيات الحياة لها وبناتها إيمان (12) عاماً، و أريج (9سنوات)، مع بقاء الزوج في سجون الحوثي.

ليس هذا فحسب فهناك قصص أخرى لنساء ورجال يجمعون ما تبقى من الأكل الذي يرمى في صناديق المخلفات، وآخرين يأكلون من أوراق الشجر من أجل أن يسدوا به جوع أطفالهم وأسرهم بعد أن بلغ بهم العوز والحاجة حداً لا يمكن أن يوصف.

الأرقام التي تنقلها منظمات المجتمع المدني مخيفة، فهناك 18 مليون يمني من أصل 27 مليوناً بحاجة إلى مساعدات إنسانية بينهم 10,30 مليون ذوي احتياج شديد، و7 ملايين لا يعرفون إن كانوا سيتناولون الوجبة المقبلة أم لا، وهناك 19 مليون لا يحصلون على مياه صالحة للشرب وهذا ينذر بواقع صحي خطير.

والأسوأ من ذلك أن المليشيات الحوثية تمارس الوصاية والمنع للإغاثة والدواء التي تصل من مركز الملك سلمان وبعض الجمعيات الخيرية، ويقومون باحتكارها لصالح أنصارهم ويستخدمونها في ما يسمى بالمجهود الحربي.

لقد وصلت المعاناة في اليمن إلى كل بيت ومنطقة، والأرقام التي تنقلها منظمات المجتمع المدني والناشطين ليست سوى جزء بسيط مما يعانيه الشعب اليمني فهناك آلاف من الناس في الأرياف لا تصلهم الخدمات ولا مساعدات الجمعيات ولا أحد يعرف حجم معاناتهم.

إن إطالة أمد الحرب في اليمن من دون أن يتم تقديم الخدمات للمواطنين المدنيين وتسليم الرواتب للموظفين سيزيد من حجم المعاناة لفئة كبيرة من الناس، فالجماعة الحوثية وحليفها صالح لا يأبهون لأوضاع المواطنين فهم يهتمون فقط بجمع الثروات لصالحهم الشخصي وتجميع ما تبقى من موارد لدفع كلفة استمرار الحرب في مختلف الجبهات.

والأعجب من ذلك – وليس غريباً على الأمم المتحدة- أنها تقف بكل ثقلها الدبلوماسي من أجل عدم تحرير محافظة الحديدة غرب اليمن، والتي بمجرد تحريرها ستكون الشرعية قد أغلقت كل المجالات البحرية على الانقلابيين واستحوذت على ميناء الحديدة الذي يصل إليه كل الاستيرادات المتعلقة بالجزء الشمالي من اليمن، ويدر على الانقلابيين مبالغ طائلة من الجمارك والضرائب وأرباح المبيعات إضافة إلى استقطاع مبالة كبيرة من أموال التجار.