تصف الرواية التي ذكرها مراسل قناة العربية بكر عطياني منطقة جنوب الفلبين المكونة من أرخبيل جزر ميندناو، بأنها عبارة عن منطقة موبوءة بالجماعات المسلحة التي تمتهن قطع الطريق بغطاء من التطرف والتشدد والإرهاب؛ ففي نظر عطياني الذي احتجز على يد إحدى الجماعات الفلبينية مدة 18 شهراً و أفرج عنه بعد مفاوضات طويلة على حد وصف قناة العربية... إن هذه المجموعات التي تتكون من خليط من الجهل والفوضوية واللصوصية والتطرف، هي من تمثل الإسلام، ورغم أن تلك المجموعات التي ضُخم شأنها لا تتكون سوى من عشرات الأشخاص؛ إلا أنها أضحت القضية الشاغلة للإعلام الغربي دون الالتفات لمعاناة قرابة 18 مليون مسلم يعيش غالبيتهم في جنوب الفلبين، حرمتهم الحكومة الكاثوليكية من أبسط حقوقهم ومارست عليهم القمع لعقود طويلة..

تتمتع جزر جنوب الفلبين بثروات طبيعية ضخمة، لذلك منذ قدوم المستعمر الإسباني ثم الأمريكي حاول كل من يستعمر الفلبين اضطهاد المسلمين ومصادرة أراضيهم وتسليمها للنصارى. يقول الدكتور راغب السرجاني في مقالة بعنوان "استعمار الفلبين": "استمرَّت الحروب بين شعب المورو المسلم وبين أمريكا أربعين عاماً، ابتداءً من عام 1899م، ولم تنتهِ هذه الحروب حتى حقَّقت لأمريكا مآربها من فرض السيطرة الكاملة على بلاد المورو، ولكنها توقَّفت بوقوع البلاد ضمن الحرب العالمية الثانية".

بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، تآمرت الفلبين مع الولايات المتحدة لضم بلاد مورو إلى جمهورية الفلبين، في المدة التي كان المسلمون يعانون فيها من ويلات الحروب الطويلة التي خاضوها مع الإسبان ثم الأمريكان وناموا نوماً عميقاً، وقد تم ضم بلادهم إلى الفلبين ظلماً وعدواناً وغدراً قبل أن ينهضوا من نومهم، وذلك في عام 1946م حين منحت أمريكا الفلبين استقلالها بعد أن كانت مستعمرة لها.

بذريعة محاربة "الإرهاب" وبدعم مباشر من الولايات المتحدة قامت الحكومات الفلبينية المتعاقبة بتنفيذ حملات عسكرية بعد فرض الأحكام العرفية على المناطق ذات الأغلبية المسلمة، و توازى ذلك مع إهمال متعمَّد في التعليم و التنمية، مع التضييق على اقتصاديات تلك المناطق، حتى أقدمت الحكومة الفلبينية على دعم مجموعات مسلحة نصرانية أبرزها جماعة "إيلاغا" التي خاضت - بدعم من الحكومة - معارك شرسة مع جبهة تحرير مورو الإسلامية منذ عام 1970م و حتى أواخر العقد الماضي.

دعم الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس بوضوح هجرة النصارى الإيلونجو إلى ميندناو وحرضهم على تشكيل ميليشيات كان هدفها الاستيلاء على الأراضي ودعم معارك الحكومة في مجابهة المشروع النضالي لجبهة تحرير مورو الإسلامية.

منذ بداية مايو الجاري، يحاصِر آلاف من جنود الجيش الفلبيني مدينة مراوي في جزر ميندناو بذريعة ملاحقة عشرات "المتطرفين" المختبئين بين 200 ألف مسلم يعيشون في المدينة، وإثر المواجهات الحاصلة، أكدت إحصائيات أن القتلى المدنيين 9 أشخاص بينما أشير إلى سقوط 13 قتيلاً في صفوف مسلحين تقول الحكومة إنهم ينتمون لـ "داعش".

لكن في إحصائية أخرى قالت السلطات بحسب صحيفة نيويورك تايمز إن 95 قتيلاً سقطوا بينهم 61 مسلحاً و 19 مدنياً و 15 عنصر أمن.

بدأت الاشتباكات حينما هاجم الجيش موقعاً كان يختبئ فيه زعيم سابق في جماعة أبو سياف يدعى أسنيلون هابيلون، وعرضت واشنطن مكافأة قدرها 5 ملايين دولار للقبض عليه، رغم ذلك لم تثبت السلطات أي ارتباط بين تنظيم "داعش" الإرهابي والمجموعة التي يقودها هابيلون، وقالت الحكومة إنها ستدعم بعض الاحزاب الشيوعية في حال دعمت حملة الحكومة ضد الإسلاميين.

وفرض الرئيس الفلبيني رودريغو دوترت الأحكام العرفية مدة شهرين على ميندناو ثاني أكبر جزر في الفلبين. وبدأ الناس يعانون من قلة الأغذية وانقطاع الخدمات الأساسية بفعل الحصار المفروض على المدينة ذات الأغلبية المسلمة، وبحسب بيانات نشرتها الحكومة الفلبينية فإن 30 ألف شخص من مراوي نزحوا إلى مراكز الإيواء هرباً من القصف والحصار، بينما اضطر أكثر من 42 ألف شخص للهرب خارج المدينة.

الرئيس الفلبيني الذي اتهم بالإفراط في العنف لقتله أكثر من 4000 شخص من تجار المخدرات في أول أشهر توليه للسلطة، قال بأنه سيتحمل مسؤولية كل ما يجري في مراوي. وعقب عودته من روسيا صرح رودريغو دوتيرت قائلاً: "إن كانت تلك المواجهة تعني قتل المزيد من الناس فلا مانع من ذلك".

ويشكل المسلمون ما يقرب من 12% من مجموع السكان، ويتمركز المسلمون في المناطق الجنوبية في (جزيرة ميندناو) و (أرخبيل صولو)، و (جزيرة بالاوان)، ويقلون في الجزر الوسطى والشمالية.

يقول الممثل الأمريكي الكوميدي في مقطع يلخص السياسة الأمريكية الخارجية بتهكم: "نحن الأمريكيين إذا ذهبنا لمنطقة لا نخرج منها، ذهبنا للعراق من أجل النفط، ولأفغانستان من أجل الأفيون، هل طلب منَّا العراقيون والأفغان أن نأتي ونجلب ديمقراطيتنا؟!".

وفي الفلبين تطمح واشنطن أن تجعل من مجموعة الجزر الجنوبية الغنية بالثروات الطبيعية مسرحاً لنمو شركاتها العملاقة الماهرة في امتصاص خيرات الشعوب؛ فقد اتهم النائب في البرلمان الفلبيني "تيري ريدون" سابقاً الإدارة الأمريكية صراحة بالوقوف وراء تنسيق عملية "ماماسابانو" في عام 2015، التي أسفرت عن قتل 44 قائداً عسكرياً من القوات الخاصة الفلبينية، وما نجم عنها من عودة المواجهة العسكرية بين الحكومة وحركة مورو الإسلامية؛ وذلك من أجل أن تجد موطئ قدم لها في المنطقة الغنية بالنفط والمعادن ولإفساح المجال أمام الشركات الأجنبية لاستغلال الموارد الطبيعية الهائلة هناك؛ فالفلبين لا تختلف عن العراق أو ليبيا أو سوريا أو أي مكان أخر تحط فيه الطائرات الأمريكية، الغاية الأولى قمع المسلمين والثانية سلب ثرواتهم.