يرى كثير من المعلقين الصهاينة أن التحرك الذي تقوده بعض النخب المصرية الهادفَ إلى تشويه التاريخ الإسلامي والمسِّ بثوابت الأمة مرتبط بالتحولات السياسية التي طرأت في مصر قبل أربعة أعوام.

وقد انتبه المعلقون الصهاينة بشكل خاص إلى مجاهرة بعض النخب الثقافية المصرية المحسوبة على نظام السيسي مؤخراً بتبني مواقف تتقاطع مع الدعاية الصهيونية والرواية التاريخية التي تشبثت بها الحركة الصهيونية لتسويغ احتلالها فلسطين.

 وقد برز بشكل خاص ما قاله المؤرخ المصري يوسف زيدان، الذي هاجم مؤخراً القائد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس والمسجد الأقصى، وكيله الاتهامات الظالمة والجارحة له. وقد لاقى إنكار زيدان المتكرر أن يكون المسجد الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن هو المسجد الذي يؤمه المسلمون في القدس، ونفيه إسلامية القدس استحسانَ الصهاينة وإعجابهم وحماسهم.

وقد اعتبرت بعض النخب الصهيونية سلوك زيدان يضفي مصداقية ليس فقط على الرواية الصهيونية الدينية؛ بل نظرت إليه على أنه يساعد على تبرير الإجراءات الصهيونية تجاه القدس والمسجد الأقصى، ناهيك عن أنه يجرم بشكل غير مباشر المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.

 وقد شبه الكاتب الصهيوني جاكي حوكي ما قام به زيدان بما قام به قائد لواء المظليين في الجيش الصهيوني أثناء حرب 1967 الجنرال ماتي غور، الذي تولى احتلال القدس والمسجد الأقصى. فقد كتب حوكي: "كما قام غور بتسليم إسرائيل المسجد الأقصى باسم الجيش الإسرائيلي فإن يوسف زيدان يسلم القدس والأقصى لإسرائيل باسم العرب".

 فحسب حوكي فإنه لم يكن "لأي يهودي أن يدافع عن يهودية القدس كما دافع عنها يوسف زيدان، ولم يحدث أن قام مثقف عربي بحجمه بنفي أن يكون هناك مسجد أقصى في القدس".

وبحسب المعلقين الصهاينة، فقد ارتبط تولي السيسي مقاليد الحكم ببروز تحولات واضحة على اتجاهات وسائل الإعلام والنخب التي تدور في فلك النظام الجديد تجاه تل أبيب؛ حيث تعاظمت الدعوات للتطبيع والمجاهرة بتبني دعاوى وتوجهات ثقافية وتاريخية تتقاطع مع الرواية الصهيونية الدينية للصراع.

فعلى سبيل المثال، لقد أبدت تل أبيب ارتياحاً لمجاهرة بعض النخب الإعلامية المحسوبة على نظام السيسي بالدعوة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، كما فعل ذلك النائب السابق والإعلامي المؤيد للسيسي توفيق عكاشة في إحدى إطلالته في قناته "الفراعين"؛ إذ دعا السفير الصهيوني في القاهرة إلى منزله لتناول العشاء وتعهد بالقيام بزيارة تل أبيب؛ وقام السفير بالفعل بزيارته في بيته وتم توثيق الزيارة بتقرير تلفزيوني.

 وقد رأى الكاتب الصهيوني رعيه كاس أن دعوة عكاشة في حينه للتطبيع مع الكيان الصهيوني وإعلانه عزمه على زيارة تل أبيب تمثل "بالون اختبار" قام به نظام السيسي ليقيس ردة الفعل الجماهيرية المصرية على مثل هذا الخطوة.

وقد أبدت تل أبيب بشكل عام ارتياحاً لتوجهات النظام الجديد تجاه الدين والتدين بوصفها توفر بيئة للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

وقد احتفت وسائل الإعلام الصهيونية - تحديداً ذات التوجهات اليمينية - بمحاربة مظاهر التدين في مصر في عهد السيسي، على اعتبار أن هذا التحرك يسهم في تجفيف مصادر "التطرف الإسلامي". وقد امتدحت صحيفة "ميكور ريشون" اليمينية، والمقربة من حكومة نتنياهو بقرار عدد من المنتجعات في مصر بعدم السماح للمحجبات بارتيادها، حيث حرصت الصحيفة على اقتباس آراء قانونيين مصريين أكدوا أن الإجراء الذي أقدمت عليه هذه المنتجعات "قانوني".

وقد نظرت محافل التقدير ومراكز الأبحاث الصهيونية - سيما ذات التوجهات اليمينية - للتحولات الثقافية التي أملاها نظام السيسي حتى عندما لم تتعلق بشكل مباشر بإسرائيل والعلاقة معها.

 فقد أشاد "مركز يروشليم"، الذي يديره دوري غولد، وكيل وزارة الخارجية الصهيونية الأسبق ما أسماه بـ لثورة السيسي الدينية" و "حربه "الثقافية" ضد ما أسماه بمظاهر التطرف الديني أرض الكنانة.

 وأكثر ما أثار المركز حرص السيسي على "تنقية" المنهاج التعليمي المصري من الكتب والمواد التي تحفز على "التطرف الديني"، سيما آيات القرآن الكريم التي تحث على الجهاد وتمتدحه وتلك التي تعبر في نظر النظام عن مواقف سلبية من الأديان الأخرى.

لكن في المقابل، فإن ما يثير حفيظة الصهاينة حقيقة أن تعزيز العلاقات بين نظام السيسي والكيان الصهيوني لم يؤثر على مواقف الشعب المصري من الكيان المحتل. ويشير الصهاينة بشكل خاص إلى استطلاع للرأي العام أجراه "المركز المصري لبحوث الرأي العام" (البصيرة)، إذ تبين أن المصريين اختاروا الكيان الصهيوني ليكون على رأس "أعداء" مصر.

ويسجلون في تل أبيب حقيقة أن التوجهات الشعبية في مصر هي التي أفضت إلى إجبار مجلس البرلمان المصري على الغاء عضوية النائب توفيق عكاشة لدعوته إلى التطبيع مع تل أبيب.

من هنا، فإن الصهاينة يدركون أن رفض الشارع المصري للتطبيع يقلص من هامش المناورة أمام السيسي ويعري تحركات النخب التي تسير في ركاب نظامه، والتي تعمل للتمهيد على إحداث تحول في توجهات الشعب المصري تجاه الصهاينة.

ويقر السفير الصهيوني الأسبق يتسحاك لفنون بأنه على الرغم من أن الشراكة الإستراتيجية والتنسيق الأمني والاستخباري بين القاهرة وتل أبيب تعد حالياً في "عصرها الذهبي"، إلا أن السيسي سيظل عاجزاً عن تغيير مواقف الجمهور المصري تجاه الصهاينة. ويشير لفنون إلى أن التحولات الجذرية التي طرأت على مصر في عهد السيسي ستظل عاجزة عن التأثير على القيود التي يفرضها الرأي العام المصري والتي ستقلص فرص التطبيع.