لا يزال الاحتلال الصهيوني في كل أماكن تواجده داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وخارجها، يعيش في حالة رعب مستمرة بدأت أولى فصولها بعد تعزز مبدأ المقاومة المسلحة منذ انتفاضة الحجارة عام 1987م حتى عصرنا الحالي، سيما أن الشبان الثائرة في القدس تحديدا أتخذوا ووفق امكانياتهم من سكاكينهم وسيلة للانتقام للدماء والأشلاء التي تناثرت في باحات وشوارع القدس.

ولتكون انتفاضة فلسطينية ثالثة (انتفاضة القدس)، ولتسمي باسم انتفاضة السكاكين، لتكون موجة احتجاجات وأعمال مقاومة شعبية شهدتها كافة مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة لتكون الأخيرة مركزا لتلك الثورة مع بداية أكتوبر 2014 حتى الآن، لربما تميزت انتفاضة السكاكين بقيام المواطنين الثائرين بتنفيذ عمليات طعن متكررة لعسكريين ومستوطنين صهاينة، الأمر الذي سبب في تنفيذ الاحتلال إعدامات ميدانية للفلسطينيين بحجج محاولتهم تنفيذ عمليات طعن نتيجة الهوس وهاجس الخوف الذي زرعه المواطن الفلسطيني داخل قلوب الاحتلال.

الفردية ميزها

ويجد المحلل السياسي المقدسي "راسم عبيدات" أن انتفاضة القدس، تأخذ في مجملها الطابع الفردي العفوي غير المنظم، الذي يأتي كنتاج واضح لسياسات وممارسات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني ومدينة القدس والمسجد الأقصى وهنا كان مصدر قوتها الأساسية.

 وأشار "عبيدات" إلى إن استمرارية تنفيذ العمليات الفردية دليل واضح على استمرارية الانتفاضة والهبة التي انطلقت في أكتوبر عام 2014م، بعد موجة من الانتهاك الكبير ضد المسجد الأقصى من قبل الاحتلال.

وأضاف: "إن عمليات انتفاضة القدس تتصاعد تارة، وتخبو تارة أخرى، إلا أنها وفي كل الأحوال لم ولن تنتهي أو يتم القضاء عليها من أي جهة كانت، سيما وأن العوامل التي اشتعلت من أجلها ما زالت موجودة ومستمرة أيضا".

وبين "عبيدات" أن الاحتلال مستمر في جرائمه وقتله وتصفيته للمواطنين الفلسطينيين، ودون أي رادع دولي أو قانوني، كما جرى قبل أيام مع أكثر من حالة في القدس ونابلس مثل اعدام والدة الشهيد مصطفى نمر، السيدة سهام نمر.

ولفت في نفس الوقت إلى أن هذه العمليات حققت انجازات معنوية وسياسية، يكفي أنها قالت وبددت الأوهام بأن نهج مدريد – أوسلو لن يقود الى حل ودولة، ورغم تأثيرها غير المرتفع على مستوطني الاحتلال وجنوده كما العمليات التفجيرية، إلا أن لها انجازات على أرض الواقع تؤشر في عقل الاحتلال على أن أي تغول على الأقصى والاستيلاء عليه لن يمر مرور الكرام حسب قوله.

بدوره قال الكاتب المختص بالشأن الاسرائيلي "محمد خليل مصلح": "إن انتفاضة الأقصى فرضيا ما زالت قائمة في الوعي والوجدان وأيضا العلاقة معها وطنيا وشعبيا, وأن خمد ثورتها أو ضعفت وتيرت العمليات التي شكلت السكاكين والطعن علامة بارزة يوميا أو حدثا يوميا يتصدر الإعلام ونقلة نوعية تكتيكية لها؛ حيث رأى فيها الاحتلال الصهيوني اعمال عنف واحتجاج وتهديد مباشر لأمن المستوطن المزروع في قلب الضفة والقدس يسلبهم حريتهم للمواطن الفلسطيني.

ولقد ميزت انتفاضة السكاكين تلك السكين التي واجهت السلاح الناري الصهيوني وكانت تستهدف المستوطن والجيش في أغلب الاحيان.

وهذا وكانت ثورة السكاكين مجرد اختبار لنفسية الجندي الذي كان واضحا العجز النفسي والضعف في ردة فعله حيث كانت الإعدامات الميدانية للفلسطينيين بحجج محاولتهم تنفيذ عمليات طعن، فكان عام 2015 هو عام ثورة السكاكين وأن سجل اختلاف في التعريف والتوصيف كما حرص انصار السلطة والمسؤولين بوصفها فقيل عنها انتفاضة شعبية أو ثورة بالمفهوم الشامل إذ رأى فيها انصار الثورة والانتفاضة أنها ارهاصات لانتفاضة شعبية واسعة ستتطور الى العمل المسلح الشامل وهذا ما يرفضه انصار المفهوم بالهبة لعدم انصهار الشعب فيها كما في سابقتها وبقيت بلا عمق جماهيري واسع.

أسباب ثورة السكاكين

وفي نفس السياق أشار الخبير السياسي "مصلح" إلى أن الاعتداءات على القدس والأقصى والمضايقات والتهويد شكل الحافز والمحرك لها حيث وجدت صدى كبير في الأراضي المحتلة 48 وتضامن شعبي وطني ديني كان واضح جدا وهو ما شكل تهديد كبير ولأول مرة بانتفاضة داخل الكيان ما استنفرت على اثره أجهزة الامن كلها للتصدي لها والتحرك السياسي من قبل حكومة نتنياهو بالطلب من الأردن والسلطة التدخل لوقفها وتدخل في حينها وزير الخارجية جون كيري لوضع سيناريو لتهدئة الأوضاع وطرحت فرنسا قوات دولية احتجت تل أبيب عليها وتم رفض المقترح.

 واضاف: "ثورة السكاكين الشكل القديم الجديد والذي أكتشف في غمرة الصراع؛ تلك الانتفاضة الأولى التي شكلت الأمل والقوة في الدفع بالاحتلال خارج قطاع غزة، وما تحتاجه من فهم ووعي لصيرورتها لتتمكن من إعادة رسم المشهد السياسي و قواعد اللعبة بعد انسداد الأفق السياسي لمشروع أوسلوا، وكأنها تعيد بناء قيادة صاحبة رؤية واعية لطبيعة الصراع وإدارته مع الاحتلال والمتغيرات الجديدة في المنطقة والتأثير للمكونات السياسية الاقليمية والدولية، والذي تحاول أطراف عدة اليوم اجهاض هذا الوعي بإنعاش المشروع الاقليمي للحل بالالتفاف على حالة الانتفاضة وبواعثها بشتى الطرق".

ولفت إلى أن شعور الكراهية كان واضح جدا لممارسات الاحتلال وإذلاله للمواطن الفلسطيني فكانت في نظري الانطلاقة العفوية كقدر انفجر بعد الضغط فاجأ السلطة والمنظمات الفلسطينية وبدأت المحاولات في السيطرة عليها من قبل السلطة والتحكم في طبيعتها لتبقى شعبية غير مسلحة وفي المقابل حولت حماس والجهاد وفصائل وطنية كالجبهة الشعبية تغذيتها بعمليات عسكرية مسلحة.

وأستطرد مصلح: "بأن تكتيكات ثورة السكاكين كشفت عجز المنظمات الفلسطينية التوجيه اليومي لها وأخذت طابع الذئاب المنفردة والمفاجئة وكانت أيضا لعدم خضوعها للتخطيط المنظماتي فالهجمات غير متوقعة وذلك ما اقلق الكيان الصهيوني وأزعج المؤسسة الأمنية والعسكرية وكان الخوف والذعر الشديد واضح في التعامل معها، لاسيما أن ثورة السكاكين سارت بالقيادة الشبابية بشكل مستقر يصعب التنبؤ بمستقبلها".

منوها أنها لا تخضع للتوجيهات من السلطة في البداية حتى النهاية لكن كانت الأحداث الكثيرة منها التصعيد ضد غزة وملاحقة الرموز في الأراضي 48 ومحاولة السلطة تجنيدها كورقة ضغط ومساومة في الساحة الدولية في أطار نظرة الرئيس أبو مازن العمل في الساحة الدولية لإدانة الممارسات الصهيونية والنيل من شرعية الكيان واثارة الرأي العام للتجاوزات والإعدامات الميدانية للفلسطينيين.

رؤية المحتل

ويرى مصلح أن الانتفاضة (ثورة السكاكين) كانت تعتبر أنها ضياع الحق وتراجع عن التزامات عملية السلام حل الدولتين من قبل حكومة اليمين والمتغيرات الاقليمية البيئة المعادية للفلسطينيين وأن الثورة لا بد منها كطريق يجمع الفلسطينيين جميعهم حولها ومازالت كذلك.

 موضحا أن التحليل للمشهدين حينها أن ثورة السكاكين فرصة لا يمكن أن تعوض لإعادة ترميم الحالة الفلسطينية والانقسام ومناقشة المرحلة السابقة وتداعيات مشروع أوسلو للتخلص من آثاره السلبية على المشروع واللحمة الفلسطينية، بحيث يتم وضع استراتيجية موحدة وقيادة واعية صاحبة رؤية مستقبلية لإصلاح الواقع الفلسطيني وللاستمرار باستنزاف المحتل في كل جوانبه بالانتفاضة والمقاومة بكل اشكالها في إطار تصور وطني؛ وأن الانتفاضة سلاح خطير لا توجد شريعة دولية تجرمها وتحرمها أو تحرم المستضعفين من استخدامها.

وذكر مصلح إلى أن ثورة السكاكين نقلت المعركة بشكل زئبقي إلى داخل إسرائيل، وبطريقة تلغي جدوى معظم الأسلحة التي يملكها جيشها، بل وتغيّر المعادلة الشهيرة التي كان يموت بمقتضاها عدد أكبر من الفلسطينيين مقابل كل صهيوني، علاوة على أن دقة التصويب الفلسطينية الآن إما أن تقتل أو تصيب على أقل تقدير.

وتابع حديثه: "إن كل مواجهة شعبية أو عسكرية يتكشف لنا نقاط ضعف وهشاشة الجبهة الداخلية للاحتلال؛ عامل المباغتة في هبة الأقصى أو ثورة الأقصى الشعبية؛ فقد أصابت الاحتلال بنقطة ضعفه ضربته في العصب؛ في الوقت التي لم تعد مؤسسة الاحتلال الأمنية والسياسية والجهات التنفيذية المسؤولة عن التعامل مع الانتفاضة؛ لربما التنبؤ بالمستقبل وتقديرات تداعيات الأحداث، وما تحمله سرعة المتغيرات في مجريات الأحداث في كل لحظة؛ تعقد الوضع والخيارات للجهات الامنية في دولة الاحتلال، وتضع قدراته على المحك".

 لذلك يجد مصلح أنه كلما استطعنا أن نباغت الاحتلال بوسائلنا وطرقنا في المواجهة؛ التصعيد المدروس يبقى طابع العفوية والفردية ستفرض على العدو حالة من الاستنفار والارتباك والقلق لما تحمله اللحظة بعد الأخرى من مفاجئات؛ فالتكلفة اليومية للاحتلال أكبر خطر يهدد قدرته على الصمود والتحمل؛ وتغيير الأدوات والتفكير وقيادة الموقف بما يتناسب مع قدراتنا وإمكانياتنا وقوة تحملنا هي سر قوة الانتفاضة.

فكر مخالف

ومن جانبها تعتقد الكتابة والمحللة السياسية رهام عودة أنه في ظل التغيرات الإقليمية والدولية المعاصرة، من الأفضل للشباب المقدسي أن يقوم بالانخراط ضمن فعاليات المقاومة الشعبية السلمية المناهضة لانتهاكات الاحتلال الصهيوني في القدس، والتي تلقى دعما دوليا وقانونيا أكبر بكثير من ثورة السكاكين.

وأضافت: "ومن أجل حماية حياة شباب وأطفال القدس ومنعهم من الوقوع كفريسة سهلة لبندقية الاحتلال الإسرائيلي، حيث تحتاج القضية الفلسطينية أبنائها المقدسيين كأحياء وأحرار من أجل تعزيز الوجود الفلسطيني في القدس للدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية معا".

وفي نفس الوقت تذكر أن المشاركة في هذه الصورة هو جزا من حماية هوية القدس من عمليات التهويد الصهيونية واثبات للوجود الفلسطيني ضد التهويد الصهيوني المتواصل ضدهم.