هأرتس

يبدو انه من أجل منع الاتفاق الأمريكي الفلسطيني الصهيوني على تحطيم مكانة حماس، قرر خالد مشعل نشر ميثاق حماس الجديد يوم الاثنين القادم، وبالتالي خلق حوار اعلامي دولي حول "التغيير" الذي طرأ على مواقف الحركة. البندان الأساسيان المتوقع ضمهما الى الميثاق الجديد يعرضان، ظاهرا، الانفصال عن الاخوان المسلمين والاستعداد لتسوية سياسية. في كل بنود الميثاق الجديد لا يوجد أي ذكر للإخوان المسلمين (مقارنة بالميثاق السابق الذي صدر عام 1988)، هكذا يبدو أن حماس تسعى إلى عرض نفسها ليس فقط كتنظيم فلسطيني طاهر لا يعتمد على أيدولوجية خارجية اسلامية، وانما في الأساس لكي ترضي مصر التي تدير حربا قاطعة ضد الاخوان الذين يعتبرون تنظيما ارهابيا.

البند الثاني الهام يقول انه "لا يتم التنازل عن أي جزء من اراضي فلسطين مهما كانت الظروف والضغوط، حتى وإن تواصل الاحتلال. وترفض حماس أي بديل لتحرير فلسطين، بشكل كامل، من النهر وحتى البحر. اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من حزيران 1967، وعودة اللاجئين الى بيوتهم التي طردوا منها، هي صيغة متفق عليها ومشتركة من ناحية قومية، ولا تعني بشكل مطلق الاعتراف بالكيان الصهيوني، كما لا تعني التخلي عن حق من حقوق الفلسطينيين".

هذا النص لا يمكن تقبله في الحكومة الصهيونية أو الولايات المتحدة كتنازل سياسي، حتى وإن ظهر فيه الاعتراف بحدود 67. اقصى ما يمكن ان يدل عليه هذا البند هو تبني استراتيجية كانت مقبولة على فتح قبل اتفاقيات اوسلو، ومفادها ان التحرير الشامل لفلسطين سيتم على مراحل. وهكذا، فان قيام دولة فلسطينية على حدود 67 لا يعني نهاية الصراع ولا نهاية للطموح بتحرير فلسطين من "راس الناقورة شمالا، وحتى ام رشرش في الجنوب، من نهر الاردن في الشرق وحتى البحر المتوسط في الغرب"، كما جاء في البند الثاني من الميثاق الجديد.

في غالبية البنود الأخرى المتعلقة بتعريف فلسطين والنضال التحرري، يجري التأكيد بأن الكفاح المسلح والمقاومة هي السبل لتحقيق الهدف. وفي الوقت نفسه، يمكن لحماس الافتراض، إلى حد كبير من التأكد، بأن حقيقة الإشارة إلى حدود 67، سيثير نقاشا عاما في المناطق وفي الكيان الصهيوني، ومن شأنه، بالنسبة لحماس، أن يقوض عرض التنظيم كحركة ترفض كل عملية سياسية، ومنع تعريفها كتنظيم "ارهابي" من قبل الولايات المتحدة، والمس بطموح عباس لطرح نفسه كشريك وحيد محتمل في المفاوضات. في هذا الصدد من الزائد التذكير بأن خالد مشعل صرح منذ 2008، باستعداده للموافقة على دولة فلسطينية داخل حدود 67، من دون الاعتراف بالكيان الصهيوني.

السؤال هو، ما الذي سيثير انطباع الرئيس الامريكي. هل سينجح عباس بالتملص من صورة "لا شريك" وبالتالي جعل ترامب يحمل نتنياهو جزء من الجمود السياسي؟ هل بعد اللقاء مع عباس، وتمهيدا لزيارة ترامب إلى الكيان الصهيوني سينجح الرئيس الامريكي بصياغة سياسة جديدة للحل السياسي، بعد ان سمع مواقف الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، والملك الاردني عبدالله؟ هل سيضع حماس في صف واحد مع حزب الله، داعش وإيران، أم سيرى في التنظيم جزء لا يتجزأ من الحل؟

الى أن يقرر ترامب، تضع سياسة العقاب التي يمارسها عباس ضد غزة، تل أبيب على حافة الانفجار. الخيارات المطروحة أمامها لإحباط الفتيل الغزي ليست مفرحة. يمكنها ان تدفع بنفسها ثمن الكهرباء في غزة، والتوجه إلى تركيا لكي تزيد حجم مساعداتها، أو إقناع قطر بمنح مهلة اخرى لوقف التمويل. كل واحد من هذه الخيارات سيعرض الكيان الصهيوني كمن يساعد سلطة حماس، وليس كمن يحاول انقاذ سكان غزة من الضائقة الاقتصادية والانسانية. في المقابل، يمكن لعدم المبالاة الصهيونية تسريع الاشتعال في غزة، الذي تحدث عنه كبار المسؤولين في الجيش الصهيوني، ووضع تل أبيب في مواجهة جولة عنف أخرى. في كلا الحالتين سيتضح مرة أخرى أن تجاهل تل أبيب للأزمات السياسية والاقتصادية الفلسطينية هو تهديد استراتيجي لأمنها ولمكانتها.