عاموس هرئيل  -  "هآرتس"
 

ان الجولة الاستثنائية للصحفيين التي نظمها حزب الله على امتداد الحدود مع الكيان الصهيوني في جنوب لبنان، الأسبوع الماضي، ظهرت كمحاولة من قبل التنظيم للرد على الادعاءات الموجهة ضده داخل لبنان، وفي الوقت نفسه، الحفاظ على شكل من الردع ازاء الكيان الصهيوني. في الوقت الذي يستثمر فيه قسما كبيرا من قواته العسكرية للدفاع عن نظام بشار الأسد القاتل في سورية، ويعاني التنظيم كله من أزمة اقتصادية شديدة، من الجيد تذكير المواطنين اللبنانيين بين الحين والآخر، من هو العدو الحقيقي.

لقد ادعى المسؤول العسكري في حزب الله الذي كان يتحدث للصحفيين خلال الجولة، بأن السلطات الصهيونية تتخوف من قوة التنظيم ولذلك فإنها تتحصن. وكدليل على ذلك اشار إلى الحفريات الكبيرة التي قام بها الجيش على امتداد الحدود خلال السنوات الأخيرة. لكن الجيش لم يحاول بتاتا إخفاء هذه الاعمال التي تهدف إلى ابعاد الحرب. وتم عرضها امام وسائل الاعلام الصهيونية منذ اكثر من سنة.

المنطق الكامن وراء هذه الأعمال مفهوم: بما أن حزب الله طور قدرات وحدات الكوماندوس، كتيبة رضوان، خلال الحرب السورية، بات من المفضل مراكمة عقبات اكثر لمنع اختطاف موضعي محتمل، يمكن أن يدهور الطرفان إلى الحرب. وبشكل عام يبدو أن الحياة مريحة في القسم الاعلامي لدى حزب الله: طوال سنوات، تم عرض كل نشاط للجيش الصهيوني في لبنان كدليل على النوايا العدوانية للصهاينة. الان، عندما يقوم الجيش بتحصين الحدود، فهذا يدل على أن اليهود خائفين.

في الوقت الذي يحرف فيه حزب الله الأضواء نحو الحدود اللبنانية، فان الصورة بالنسبة له في سورية مختلطة، في أفضل الحالات، رغم كونه جزء من المعسكر الداعم للنظام، الذي استعاد تفوقه خلال السنة الأخيرة. في الاسبوع الماضي، قال ضابط في الجيش الصهيوني بأنه يقدر ان حزب الله مني بأكثر من 1700 قتيل و7000 جريح خلال الحرب السورية، وان حوالي 8000 جندي من حزب الله، ما يشكل نسبة 30% من قواته، يتواجدون بشكل دائم في سورية.

صحيح أن الحزب يكتسب التجربة العسكرية الواسعة والقيمة، ومن المعقول ان قادته يتعلمون كيفية ادارة اطر حربية كبيرة ووسائل جديدة، وذلك بفضل الاحتكاك القريب مع المرشدين الروس الناشطين إلى جانب نظام الأسد وضباط الحرس الثوري الايراني. ولكن في المقابل، يعاني حزب الله من مظاهر التآكل. الاسد يتقدم ويستعيد المناطق السورية، خاصة بفضل المساعدات الجوية الروسية، لكن المعركة تجري ببطء ولا تظهر أي قوة من القوى المساعدة للنظام تحمسا زائدا للتضحية بقواتها في المعارك الدامية في المناطق المأهولة. قوات حزب الله تقضي قسما كبيرا من وقتها في الحرب والامتصاص، والقيادة المشتركة التي تركز نشاط نظام الأسد، تكثر من ارسال قوات حزب الله الى المناطق المختلفة التي تقع فيها ازمات قتالية.

منذ اغتيال رئيس اركان حزب الله مصطفى بدر الدين قبل سنة، بالقرب من دمشق، لم يتم العثور على بديل له حتى الان (رئيس اركان الجيش الصهيوني غادي ايزنكوت، ادعى مؤخرا ان بدر الدين قتل بأيدي زعيم حزب الله على خلفية خلافات داخلية في التنظيم).

لقد أجري الضابط الصهيوني مقارنة مثيرة. وذكر بأن الجيش الصهيوني في عام 2006 اقنع نفسه بأن وضعه جيد بعد نجاحه بكبح الانتفاضة الثانية، لكنه اكتشف عندها، خلال حرب لبنان الثانية، بأن قدرته العسكرية لا تناسب التحدي التالي الذي واجهه. والمثال واضح: هناك فرق بين القتال المتواصل الذي يخوضه حزب الله مقابل تنظيمات الأخرى في سورية، وبين مواجهة اخرى مع سلاح الجو والاستخبارات والتكنولوجية الصهيونية.

لكنه يبدو ان أكبر معضلة تواجه التنظيم حاليا هي المسألة الاقتصادية. لقد قلصت إيران بشكل كبير مساعداتها المالية التي تحولها لحزب الله. وفي الوقت نفسه، ارتفعت التكلفة الاقتصادية الدائمة للحزب، بسبب الحاجة الى دعم عائلات الشهداء في سورية وجرحى الحرب هناك. وفي الخلفية، يتوقع قدامى المحاربين الذين شاركوا في المعارك ضد الجيش الصهيوني منذ ايام الحزام الامني في جنوب لبنان، والذين خرجوا الى التقاعد، الحصول على دعم مالي. . وفي لبنان، وحتى داخل الطائفة الشيعية نفسها، يدور نقاش متواصل حول مسألة الفائدة الكامنة في ارسال رجال حزب الله الى سورية، وثمن الخسائر المناط بذلك.

جولة الصحفيين الاستثنائية التي نظمها حزب الله – التي تقلد بشكل شبه دقيق الجولات التي ينظمها الجيش الصهيوني في الجانب الثاني من الحدود في أحيان متقاربة – اثار حرجا ليس صغيرا في بيروت. فلقد سارع رئيس الحكومة سعد الحريريالى اجراء جولة في جنوب لبنان بمرافقة وزير الدفاع ورئيس الأركان، وأكد ان حكومته هي السيادة في الدولة. الحريري الذي حصل على منصبه كجزء من صفقة سياسية مركبة مع حزب الله، هاجم بشكل غير مباشر، جولة حزب الله، لكنه يبدو ان الضرر قد وقع.

في الآونة الأخيرة، استغل كبار المسؤولين الصهاينة تصريح الرئيس ميشيل عون بأن حزب الله هو جزء من القوات المدافعة عن لبنان، لكي يهددوا بأن الجيش اللبناني سيكون مستهدفا ايضا من قبل الجيش الصهيوني في الحرب القادمة.

جاء هذا الاستفزاز غير الحكيم من قبل حزب الله في وقت مريح. في اليوم الذي جرت فيه الجولة الصحفية، صرحت سفيرة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة، نيكي هايلي، خلال نقاش في مجلس الامن، بأن ايران وحزب الله هم الجناة المركزيين في الشرق الاوسط، ووعدت بقيام بلادها بالعمل ضدهم. وفي يوم الخميس، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لشبكة الاخبار فوكس نيوز، انه يعتقد بأن على الرئيس ترامب "الغاء او تغيير" الاتفاق النووي مع ايران. صحيح ان الادارة الأمريكية الجديدة تتصرف على الحلبة الدولية بلطف كما الفيل في متجر الخزف، لكنه يبدو انه في كل ما يتعلق بإيران وحزب الله، على الاقل، تأمل حكومة نتنياهو بأن تساعدها الرياح المتشددة التي تهب من واشنطن، على دفع مصالحها.