يسير الكيان الصهيوني خطوات متسارعة في مسعاه لتهويد كل الفضاءات السياسية والثقافية والاجتماعية من خلال إضفاء مضامين عملية ورمزية على المصادر الدينية، سيما التوراة، كمصدر للتوجيه والإلهام لمؤسسات هذا الكيان المختلفة وكناظمة لعملها.

ويهدف الكيان الصهيوني من هذه التحركات إلى تكريس الطابع اليهودي للنظام السياسي وفرض مضامين يهودية دينية على السلطات التي تشكل هذه النظام وتؤثر فيه. وسيترتب على هذا التحول تداعيات بعيدة المدى ليس فقط على الواقع الصهيوني الداخلي، بل بشكل خاص على الصراع مع العالمين العربي والإسلامي.

فقد أقدم البرلمان الصهيوني مؤخرا على تقنين تأثير التوراة على مؤسسات القضاء من خلال سن قانون يعزز من مكانة الشريعة اليهودية كمصدر للتوجيه للجهاز القضائي والمحاكم والقضاة الصهاينة، بشكل يضمن زيادة تأثير الموروث الديني على القرارات التي تصدرها المحاكم الصهيونية بشأن القضايا المختلفة التي تنظر فيها.

 ويعني سن القانون الجديد تعديل قانون "مبادئ التقاضي" الذي سن العام 1980، بحيث ينص بشكل واضح على أن الشريعة اليهودية، تعد مصدرا لتوجيه القضاة عند النظر في قضايا لم يسبق أن ناقشتها المحاكم.

وبناء على هذا القانون فإن الحكومة الصهيونية ستدشن معهد يشرف على صياغة مبادئ الفقه اليهودي وفتاوى الحاخامات القدماء التي تتعلق بالأحكام المتعلقة بالقضايا التي عادة ما تطرح أمام المحاكم وذلك من أجل مساعدة القضاة على الاستئناس بها بعد ترجمتها للغة قانونية عصرية.

ويعكس سن هذا القانون تعاظم تأثير الأحزاب الدينية داخل الحكومة الصهيونية، حيث أنه وقف وراء هذا القانون رئيس لجنة القانون في الكنيست النائب نيسان سلوميانسكي من حزب "البيت اليهودي" المتدين ونواب متدينون من حزبي "الليكود" و"إسرائيل بيتنا" وحركة "شاس" الدينية الحريدية.

 ويرى سلوميانسي، الذي عمل على تمرير القانون الجديد إنه القضاة باتوا بعد اليوم مطالبين بعدم البحث عما ورد في قوانين وضعية صيغت في أوروبا على تمرير مشروع القانون، حيث قال: "قضاتنا ليسوا مطالبين بالبحث عما ورد في القانون النمساوي أو الفرنسي، يتوجب عليهم أن يستأنسوا بمبادئ القضاء العبري المستند إلى المصادر الدينية اليهودية".

إلا أن القضاة الصهاينة المتدينين لم ينتظروا حتى تم سن هذا القانون لكي يعتمدوا على المصادر الدينية، بل إنهم يجاهرون منذ زمن بعيد بالاعتماد على المصادر الدينية وفتاوى الحاخامات القدماء في إصدار أحكامهم.

ويجاهر قاضي المحكمة العليا نوعام سولدبيرغ، بأن المصنفات الفقهية التي ألفها الحاخام موشيه بن ميمون، الذي عاش في القرن الثاني عشر في الأندلس وبلاد النيل "تعد المعين الذي أعتمد عليه في إصدار أحكامي"، على حد تعبيره.

لكن هناك في تل أبيب من يعي دلالات هذا التحول ويرى أنه يأتي في سياق تعاظم مظاهر الطابع الديني اللكيان الصهيوني. وتقول زهافا غالؤون، النائبة اليسارية الصهيونية أن الكيان الصهيوني تحول إلى "دولة شريعة ولم تعد الأعراف الديموقراطية تعني المشرعين في الكنيست".

ولا خلاف في تل أبيب أن سن القانون الجديد سيساعد الحكومة الصهيونية والمستوطنين اليهود في الضفة الغربية على سلب الأراضي الفلسطينية وتدنيس المقدسات الإسلامية.

فعندما يلزم القانون الجديد القضاة بالاستناد إلى فتاوى الحاخامات القدماء، فإن هذا يعني زيادة الطابع العنصري والتمييزي للأحكام التي سيصدرها هؤلاء القضاة، على اعتبار أن الكثير من فتاوى الحاخامات القدماء، الذين يحظون باحترام كبير لدى القضاة المتدينين معروفة بطابعها العنصري العدائي تجاه غير اليهود.

ومن الأمثلة الواضحة على التداعيات السلبية لهذا القانون حقيقة أن الحاخام موشيه بن ميمون، الذي يتنافس القضاة المتدينون على الاستئناس بفتاويه يعتبر المرجعية الدينية لمنظمة "شارة ثمن" اليهودية الإرهابية على الرغم من أنه عاش قبل تسعة قرون.

فقد أفتى بن ميمون في حينه بعدم السماح للمسيحيين بأداء شعائرهم الدينية بزعم أن "المسيحية شكل من أشكال الوثنية". وقد استندت "شارة ثمن" إلى هذه الفتوى في تبرير قيامها بإحراق الكنائس في ربوع فلسطين.

لكن الأمور لم تقف عند تهويد القضاء، بل تعداه إلى تهويد الفنون، حيث أن الحكومة الصهيونية باتت تمكن أتباع التيار الديني من السيطرة على المشهد الثقافي والفني.

ويلعب جيل من الممثلين والمخرجين من التيار الديني العلماني دور في انتاج عدد كبير من المسرحيات والمسلسلات والأفلام السينمائية التي تروج لمنظومات القيم التي يلتزم بها التيار الديني.

وقد تمكن اتباع التيار الديني من التسلل إلى المشهد الثقافي والمسرحي والفني من خلال تدشين مؤسسات تعني بإعداد المخرجين والفنانين بهدف انتاج أعمال تلفزيونية وسينمائية تعكس توجهات القناعات المتطرفة لهذا التيار.

وقد باتت أعمال المخرجين المتدينين اليهود باتت تعرض في دور السينما وقنوات التلفزة المختلفة، سيما أعمال المخرج يوسيف سيدار، الذي يعد المثال الأبرز على نجاح هذا التيار في اختراق المشهد الفني.

 ومن أجل تشجيع التيار الديني على مواصلة دربه فقد منحت أعمال سيدار جوائز عالمية، سيما فيلمه "خليط مقدسي" و"المزركش"، وغيرها.

وقد حقق المتدينون اختراقات مهمة في عالم الغناء، حيث أن المطربين المتدينين باتوا يحظون بشعبية كبيرة، سيما حنان بن آرييه، وهو متطرف ولد وترعرع في مستوطنة "كرنيه شمرون"، المقامة على أراضي الفلسطينيين غرب مدينة نابلس، حيث يشتهر سكانها بتنفيذ الاعتداءات على البلدات والقرى الفلسطينية المحيطة.