عمل جهاز الموساد الصهيوني على ثلاثة أصعدة مختلفة لصناعة الإرهاب، من خلال اللعب على المتناقضات، واستغلال الأحداث وإعادة توجيهها، ثم تصدره للتقانة العالية والتكنولوجيا الحديثة للحصول على المعلومة والاستفادة منها، ساعد ذلك في بقائه كمحور ارتكاز في الشرق الأوسط وفي العالم.

 واعتمد نجاح المحاور السابقة في علاقة الموساد الصهيوني بأجهزة الموساد الأوروبية والأمريكية على وجه الخصوص، جعله يتنقل في الساحة الدولية بحرية أكثر، وارتكاب عمليات اغتيال واختطاف معقدة قد تنشب حروباً بين الدول، أو تمس في أمنها الخاص، ولم يكن هناك أي اعتبار لحقوق الدول ولا قوانينها التي تعتبر مسرحاً لجرائمه، كاغتيال عمر النايف في السفارة الفلسطينية في رومانيا، أو اختطاف المهندس الفلسطيني ضرار أبو سيسي من أوكرانيا، أو اغتيال محمود المبحوح في دبي أو اغتيال فتحي الشقاقي في مالطا، واغتيال شخصيات غير فلسطينية على أرضها كالتونسي الزواري مؤخراً.

العميل للموساد الصهيوني فلسطيني الأصل عبد الحميد الرجوب الهارب للكيان الصهيوني والذي أنشأ ما يعرف بـ"العصافير" غرف التحقيق داخل السجن ضد الأسرى الفلسطينيين  تحدث عن مساعي الكيان الصهيوني لاغتيال شخصيات بعينها تمثل تياراً مضاداً لسياستها في برنامج الصندوق الأسود "العملاء في إسرائيل" على قناة الجزيرة، كاشفاً النقاب عن الأسباب الكامنة لاغتيال الشهيد خليل الوزير في تونس 1988 مع بدء المفاوضات السرية بين الكيان الصهيوني وحركة فتح، وإعاقة الشهيد الوزير لهذه المفاوضات باعتبارها تطبيعاً مرفوضاً وخيانة، وكان الكيان الصهيوني يعرف تماماً هيكلية حركة فتح التي يمثل كل شخص فيها تياراً معيناً بموته يتفكك هذا التيار لكيانات صغيرة.

وخصص غوردون توماس في كتابه "جواسيس جدعون"  فصلاً كاملاً عن علاقة الجنس والمال بعمل الموساد الصهيوني، كاعتقال العالم النووي "مردخاي فعنونو" في ايطاليا  1986والذى كشف سر مفاعل "ديمونا" النووي، عن طريق فتاة عشقها، وأضاف "ميخائيل بارزوهر" و"نسيم ميشعال" في كتاب"الموساد: العمليات الكبرى" فصلاً كاملاً تحدث فيه عن استخدام الجنس في الإسقاط تحت عنوان "عملية العرائس السوريات: الفتيات بالانتظار في شارع البردوس" تطرق لتهريب الفتيات اليهوديات من سوريا إلى الكيان الصهيوني والعمل في الموساد.

وقد اعتمد الموساد الصهيوني على الفتيات لتجميل صورته القبيحة، وصورة جيش الاحتلال الصهيوني أيضاً، فليس مستغرباً أن ترى صورة لـ "أصغو لاستو" إحدى جميلات إسرائيل على مجلة إباحية أمريكية عارية وتحمل سلاحاً لإثارة روح "الفنتازيا" عند الجيل الأمريكي الجديد الصاعد، وللترويج لنعومة جيش الاحتلال الذي ارتكب جرائم بشعة إبان حرب لبنان 2006 وحرب غزة 2008 سادت بينهما فترة من الهدوء في العالم ليبقى الكيان الصهيوني يرتكب جرائمه بحق المدنيين كمادة إعلامية تحدثت بها كل والصحف ووسائل الاعلام.

ولم تقف القضية عند اغتيال أشخاص محددين لصالح أمن الكيان الصهيوني، بل تعدى الأمر في دخول عمليات الموساد للساحة الدولية، لنشر الفوضى وانتزاع مكاسب سياسية من خلالها، أو لتوتير العلاقات بين الدول، كعمليات الموساد الإسرائيلي ضد أهداف أمريكية في مصر لتوتير العلاقة بين مصر وأمريكا في نهاية الخمسينات، عن طريق عميل الموساد "إبراهام دار" والذي تنقل من بلد إلى بلد بأسماء وهمية، وكان الضابط المسؤول عن تدريب الوحدة 131 بهدف عمل تفجيرات وعمليات تخريبية بمنشآت أمريكية وبريطانية في مصر حقبة الخمسينيات.

وعلى الساحة الأوروبية أكد "إيلي حاتم" مستشار مؤسس الجبهة الوطنية في فرنسا أن العمليات الإرهابية التي هزت فرنسا في نوفمبر 2016 كشفت عن اختراق خطير لأجهزة الاستخبارات الفرنسية، متهماً الموساد الصهيوني في إعداد وتحريك الإرهابيين، كذلك كشفت تحقيقات مختلفة عن دور الموساد الصهيوني في تجنيد عشرات الأفراد للقتال في العراق وسوريا في تنظيم الدولة ما يعرف بـ"داعش"، عبر خلايا وهمية قد يقع أفراد ضحيتها للحصول على معلومات مهمة عن التنظيم، أو عبر خلايا حقيقية على أرض الواقع لمئات المقاتلين، وقيادات كبيرة في تنظيم الدولة يعملون لصالح الموساد.

 وتشكل أيضاً أرض سيناء معسكراً استخباراتياً كبيراً، بل أكبر رقعة تشهد أنشطة تجسس على سطح الكرة الأرضية، هكذا ينظر سكان الغرف المظلمة من كوادر الـ"سي أي ايه" والموساد إليها، ولم ينظر هؤلاء للمشهد من زاوية التحليل والرصد بل من منظور اللاعب الرئيسي ومحرك العرائس من خلف الستار.

أما عن المال فقد كشف باسل النيرب في كتابه "المرتزقة: جيوش الظل" عن دور المال في صناعة الإرهاب من خلال الإرتزاق، وتشكيل مجموعات محترفة للقتل والاغتيال مقابل المال، وشركات أمنية متعددة الجنسيات وعابرة للحدود، وقد برع الكيان الصهيوني في تطوير هذه الشركات والترويج لها، وتقديم الخدمات الدولية لمن يحتاجها، واستخدامها لمصالحه، بل وعملها كمجموعات قتالية محترفة ومشكلة من جنسيات مختلفة تبحث عن المال، كما في العراق وسوريا وأفغانستان سابقاً وحالياً.

ويعمل فريق الحمايات الخاصة المعروف بـ"المرتزقة" لمن يدفع أكثر ولا يحملون أي أجندات سياسية، بل خبرة طويلة في مجال الخدمة الأمنية، ويعملون لصالح شركات متعدد الجنسية لحماية شركات أو مقرات، وقد أنشأ الاحتلال الصهيوني "الأكاديمية الإسرائيلية" لتدريب المشاركين على القتال في الدول العربية والاسلامية خصوصاً في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، على القيام بعمليات مرتدين الزي العربي مثل وحدة المستعربين ضد الفلسطينيين، ولكن مهاهم تتجاوز حدود فلسطين إلى داخل الدول العربية والأوروبية.

وحسب الأكاديمية أن مجموعة من الشباب العربي شاركوا في الدورة أغلبهم عراقيون جاؤوا بتوصيات من الشركات الأمريكية العاملة في العراق ودخلوا بتنسيق خاص للقيام بمهمات خاصة، وعقدت الأكاديمية دورة أمنية في "مونتينيغرو" للعرب الراغبين في هذه الدورات الذين لا يمكن لهم دخول الكيان الصهيوني، وتبقى عملياتهم تحت إطار السرية.

وقد ظلت أوروبا الشرقية مسرحاً مهماً لعمل الموساد وتغلغل أذرعه في المستويات السياسية وأجهزة الاستخبارات في تلك المنطقة، والتي تحتوي على مئات مصانع السلاح الحديثة ومراكز التدريب بتعاون مع الاحتلال الصهيوني، كما أنها الممر الحالي من أوروبا للمقاتلين في مناطق القتال من سوريا والعراق، والعائدين بالعكس.

وقد خبر جنود الموساد جيداً في عمليات التهريب والهجرة غير الشرعية كخطر كبير يتحدى العالم الجديد اليوم وعلاقته بالعمليات الإرهابية، حيث أن فرع "الشين بيت" الذي كان مسئولاً بصفة رسمية عن الأمن الداخلي، ويوجد فرع علياه بيت أقيم في عهد الانتداب البريطاني لتهريب المهاجرين غير الشرعيين إلى فلسطين، ومساعدة اليهود على الفرار من الدول العربية المعادية للكيان الصهيوني.