يؤكد الزخم الإعلامي الذي حازت عليه الانتخابات البرلمانية الجزائرية المقرر انعقادها في مايو المقبل على اختلافها عن سابقاتها، فالإنتخابات البرلمانية الأخيرة 2012 شهدت مقاطعة حزبية كبيرة وعزوف النسبة الأكبر من الناخبين، إذ بلغت نسبة المشاركة 43% فقط.

على العكس من ذلك يتطلع النظام الجزائري إلى مشاركة حزبية وشعبية أكبر خلال الانتخابات المقبلة، خاصةً أن تنظيم هذه الانتخابات سيتم لأول مرة بإشراف من "هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات" نص عليها تعديل دستوري جرى مطلع 2016، وتتكون من 410 أعضاء؛ نصفهم قضاة والنصف الآخر من مستقلين عينتهم الرئاسة، ويرأسها الوزير الإسلامي السابق "عبد الوهاب دربال".

لذلك تتطلع الأحزاب الإسلامية في الجزائر إلى تحقيق نسبة كبيرة من عدد المقاعد، وذلك وفقاً لتصريحات رئيس جبهة التغيير "عبد المجيد مناصرة"، الذي أشار إلى أن "حظوظ الإسلاميين في هذه الانتخابات لن تقل عن 40% من الأصوات في حال تنظيم انتخابات نزيهة، أي قرابة 180 مقعداً من بين 462 إجمالي عدد مقاعد المجلس الشعبي الوطني التي سيتم التنافس عليها.

لكن مسار المشهد الجزائري العام ربما يسير على عكس ما تشتهيه الأحزاب الاسلامية وغيرها من أحزاب المعارضة، لأن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تحركات رسمية قد تبطل حالة التفاؤل السائدة داخل أوساط المعارضة، حيث أقدمت السلطات الجزائرية على حرمان نحو 45 قناة تلفزيونية من ممارسة مهامها الإعلامية خلال عملية الاقتراع، وسمحت فقط للتلفزيون الحكومي إلى جانب خمسة فضائيات تلفزيونية بتغطية الانتخابات التشريعية المقبلة، وهي قرارات تمهد لخروقات مشابهه لانتخابات 2012.

من جانبه أرجع وزير الاتصال "حميد قرين" هذا القرار إلى أن تلك الفضائيات الخمس تمتلك ترخيص قانوني، على عكس الفضائيات التي تم منعها، وهو ما أثار حفيظة منظومة الإعلام الجزائرية بكافة أشكالها، لأن الحكومة الجزائرية كانت تعارض قبل عام 2011 فتح الإعلام المرئي والمسموع أمام القطاع الخاص، لكن هبوب القليل من رياح الربيع العربي على الجزائر دفعت الحكومة إلى السماح بإنشاء هذه القنوات، دون وضع إطار قانوني يضبط عملها.

من جانب آخر، يبدو أن السلطات الجزائرية قد استشعرت خطورة الموقف، وخصوصاً بعد تغلب الكثير من أحزاب المعارضة على خلافاتها الداخلية وإندماج الكثير منها في حزب أو كتل إنتخابية واحده لاسيما الأحزاب الاسلامية، وحالة الإستعداد والتعبئة غير المسبوقة التي تعدها الكثير من الأحزاب السياسية للمنافسة خلال الانتخابات المقبلة، وهو ما دفع الحكومة إلى وضع المزيد من العراقيل التي يمكن أن تمكنها من التلاعب في نتائج الانتخابات، فكانت الفضائيات أول ضحايا الصراع السياسي على السلطة بين النظام وأحزاب المعارضة.

 ولعل ما يؤكد ذلك، أن السلطات الجزائرية المعنية بالقنوات التلفزيونية لم يسبق لها أن أصدرت أي قرارات حول الوضعية القانونية لهذه القنوات، بل كانت تكتفي بمتابعة مدى مطابقة عمل هذه الوسائل الإعلامية مع القانون، ووفقاً لتقارير صحفية جزائرية أكدت، أن الحكومة الجزائرية تقوم بالترخيص لمن تريده أن يعمل، وفق ورقة طريق يفهمها جيداً أرباب هذه المؤسسات التي تقتات من ريع الإعلانات ومصادر التمويل المشبوهة والغامضة.

 ثمة ما يدعو إلى الإعتقاد أن لجوء السلطات الجزائرية إلى منع هذه الفضائيات من تغطية الانتخابات التشريعية، يُعد أمراً له علاقه بحالة التوافق والهدوء التي شهدتها أحزاب المعارضة وخصوصاً الإسلامية منها، حيث تتشكل خارطة التيار الإسلامي في الجزائر من ستة أحزاب رئيسية، "حركة مجتمع السلم أكبر حزب إسلامي، وجبهة العدالة والتنمية، وحركة النهضة، وحركة الإصلاح الوطني، وجبهة التغيير، وحركة البناء الوطني. وقد أعلنت جبهة التغيير، التي أسسها وزير الصناعة الأسبق عبد المجيد مناصرة عام 2012، اندماجها مع حركة مجتمع السلم ودخول الانتخابات البرلمانية بقوائم موحدة.

على نفس الخطى سارت ثلاثة أحزاب إسلامية أخرى هي، جبهة العدالة والتنمية، وحركة النهضة وحركة البناء الوطني، وأعلنت عن دخول الانتخابات بقوائم موحدة، وقد كان الاستثناء الوحيد بالنسبة للأحزاب الإسلامية هو حركة الإصلاح الوطني، التي فضلت خوض الإنتخابات التشريعية منفردة.

ولا شك في أن هذه التكتلات المهمة قد أثارت قلق ومخاوف الأحزاب الموالية للنظام، فتحالف مجتمع السلم وجبهة التغيير وفقاً لبيانات وزارة الداخلية يُعتبر واحداً من بين ثلاثة أحزاب جزائرية تمكنت من الحضور في كل الدوائر الانتخابية وعددها 52 دائرة انتخابية في 48 ولاية في الجزائر بالإضافة إلى 4 دوائر انتخابية في المهجر، والمعروف أن الأحزاب التي تشارك في كل الدوائر الانتخابية تكون حظوظها أكبر من غيرها، فالإنتخابات في الجزائر تتم وفق نظام القوائم، والأحزاب التي تشارك في عدد كبير من الدوائر الانتخابية هي التي تصبح أحزابا فاعلة. ولعل هذا الأمر بات  يثير قلق السلطات الجزائرية، فلجأت إلى أساليب تبدو قمعية مع بعض الأحزاب التي ترفض المشاركة في الإنتخابات، فوزير الداخلية نور الدين بدوي هدد الأحزاب السياسية التي أعلنت مقاطعتها للانتخابات "طلائع الحريات - جيل جديد" بسحب الاعتماد الرسمي منها، وذلك رداً على موقف هذين الحزبين من الانتخابات، حيث وصفاها بأنها مسرحية سياسية جديدة  تنظمها السلطة.

رغم تظاهر السلطات الجزائرية بحرصها على مشاركة جميع الأحزاب السياسية في الإنتخابات التشريعية سواءً بأسلوب الإقناع أو التهديد بسحب إعتماداتها، إلا أن هناك أكثر من عشرة أحزاب مازالت تنتظر إعتماد وزارة الداخلية رغم إستيفائها للشروط اللازمة منذ سنوات، وهو ما دفع بعضها إلى تشكيل قوائم غير حزبية أو تحت مسميات قوائم المستقلين من أجل خوض الإنتخابات، إلى جانب نحو 71 حزب على مستوى الجمهورية، ووفقاً لوزارة الداخلية الجزائرية أن أكثر من 1088 قائمة حزبية ومستقلين تقدمت لخوض الانتخابات البرلمانية ويجري فحصها من قبل السلطات.

ولعل تزايد عدد القوائم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة يؤكد محاولة أحزاب المعارضة والمستقلين المشاركة قدر الإمكان في العملية السياسية، خاصةً في ظل تعقيدات الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية، فارتفاع حدة الاحتجاجات خلال السنوات الأخيرة بات يهدد السلم الاجتماعي، كما أن تراجع مداخيل البلاد من النفط وتراجع أداء المؤسسات الرسمية للدولة أدخل الجزائر في وضع لا تُحسد عليه، لكن أهم العوامل التي شجعت المعارضة على المشاركة هي تفكيك جهاز الاستخبارات في سبتمبر 2015، لكن رغم تحفز المعارضة الجزائرية وتعليقها آمال كبيرة خلال الانتخابات المقبلة، إلا أن مخاوفها ما تزال قائمة، لأن وزارة الداخلية سيئة الصيت لا تزال هي الهيئة المشرفة على تنظيم عملية الإقتراع.

كما أن الضمانات التي تُقدمها الحكومة للأحزاب كـ "اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات" التي تضم 410 عضواً، 205 منهم قضاة، و205 من الكفاءات المستقلة وممثلي المجتمع المدني تبدو غير مقنعه  تبدو غير كافية، لأن جميع أعضاء هذه اللجنة يجري تعيينهم من قبل الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، ما يجعل هذه اللجنة محل رفض أحزاب المعارضة، لأن كل ما يأتي من النظام يظل محل ريبة وشك،  فالخبرات الإنتخابية السابقة شهدت الكثير من التزوير والخروقات.

لكن مساعي السلطات الجزائرية للتنفيس عن المعارضة تأتي في سياق إدراك النظام حاجته للمعارضة وتعليقه مزيداً من الأمل على دورها الإيجابي في إخراج البلاد من محنتها الاجتماعية والاقتصادية، لذلك تؤكد قيادات إسلامية جزائرية على تلقيها نصائح من السلطات الرسمية بتوحيد صفوفها والمشاركة بفاعليه خلال الانتخابات البرلمانية.

فما يهم النظام الجزائري الآن هو تجديد شرعيته من خلال إشراك المعارضة بكافة أطيافها، لأن مسألة التلاعب في سير العملية الإنتخابية ونتائجها تبدو سهله، لكن إعلان فوز أحزاب الموالاة في الانتخابات يحتاج إلى محلل لتأكيد شرعية النظام القائم.