أفرزت الثورة الليبية بعد سقوط نظام القذافي 2011 ثلاثة حكومات في آن واحد، فالعاصمة طرابلس كان لها نصيب الأسد، حيث تحظى حكومة الوفاق الوطني باعتراف دولي، بينما انبثقت عن المؤتمر الوطني المنحل حكومة أخرى إلى جانبها يُطلق عليها حكومة الإنقاذ، لكن الفرقاء الليبيين لم يكتفوا بهاتين الحكومتين، وكان لهم ما أرادوا، لأن بلادهم باتت سباقة في الجمع بين ثلاثة حكومات، ففي الشرق توجد حكومة أخرى تحظى بدعم البرلمان المعترف به دوليا.

تعدد الحكومات وتعارض مصالحها واختلاف مناطق نفوذها، كان كفيلاً بإطالة أمد الصراع وتنوع حلقاته، ولم يعد بمقدور الفرقاء الليبيين استعادة الهدوء المنشود، فحالة الفوضى التي خلفتها النزاعات بين الفصائل المسلحة ومسلحي القبائل التي تشكل مكوناً رئيسياً في المجتمع الليبي، أدخلت البلاد في نفق مظلم، ولم تعد أنظار الجميع موجهه صوب تحقيق مكتسبات الثورة بقدر ما هي باحثة عن السيطرة والنفوذ والثروة!

تتقاطع مصالح هذه الحكومات مع القوى العسكرية والمليشيات المسلحة التي تحدد ملامح ذلك المشهد الملتهب، ورغم تعدد هذه المليشيات التي يغلب عليها الطابع القبلي، وتنوع ولاءاتها للحكومات الثلاث، إلا أن الوضع على الأرض كان يرجح منذ وقت ليس ببعيد كفة قوتان بارزتان، هما قوات مصراته نسبةً إلى المدينة الواقعة غرب ليبيا والتي نجحت مؤخراً في إخراج تنظيم الدولة من مدينة سرت الساحلية في إطار ما يُعرف بعملية "البنيان المرصوص" التي وجهتها حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر الذي يقود منذ أكثر من عامين ثورة مضادة أنهكت الثورة الليبية.

التحولات الهامة التي شهدتها ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة أظهرت نوايا خليفه حفتر الحقيقية أمام الشعب الليبي، وتحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة وطردها من مدينة بنغازي، عمل ما يُسمى الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر على تمزيق شديد في النسيج الاجتماعي للمدينة، ما أدى إلى نزوح الآلاف وإطلاق العنان لقوى إقصائية مثل التعصب القبلي، لكن وطنية خليفة حفتر الزائفة سرعان ما ظهرت على حقيقتها في أقصى شرق ليبيا، ورغم إلحاق الإسلاميين هزيمة ساحقة بتنظيم الدولة، إلا أنه عمل على حصارهم في مدينة درنة تحت ذريعة اتهامهم بالانتماء إلى تنظيم القاعدة.

لم تتوقف مساعي حفتر عند هذا الحد، بل بدأ أكثر تحفزاً للسيطرة على العاصمة طرابلس مستغلاً ضعف حكومة الوفاق والروابط الفضفاضة التي تربطها بالجماعات المسلحة الموالية لها، كما أن الأطراف الدولية ساعدت حفتر على المضي قدماً في تعزيز نفوذه، لأن هذه القوى عجزت عن ثني الدول الإقليمية وروسيا عن دعم خصوم حكومة الوفاق من الانقلابين، ومنذ تشكيل حكومة الوفاق في ديسمبر 2015، ظل الفشل يلازمها، خاصةً وأن حفتر كان قد نجح في ترسيخ نفوذه في شرق ليبيا، وما ساعده على ذلك حلفاءه الاقليميين واستعانته بعناصر أمنية تابعة لنظام القذافي و عناصر قبلية، وأخرى دينية كـ "المداخلة" المعروفين بعدائهم الشديد للإسلاميين.

في هذه الأثناء دخلت ليبيا في منعرج خطير، لأن حفتر والمليشيات السودانية والتشادية الموالية، استولت على منطقة الهلال النفطي التي تمثل نحو 70% من مصادر الطاقة في ليبيا، وبالموازاة مع  ذلك تراجع إنتاج ليبيا النفطي اليومي من 750 برميل إلى 630، وذلك وفقاً لتصريحات "أحمد شوقي" مدير إدارة التسويق في المؤسسة الوطنية للنفط بطرابلس.

 الجدير بالذكر أنه خلال سيطرة حفتر على موانئ "السدرة وراس لانوف والزويتينة والبريقة" وانتزاعها من يد حرس المنشآت النفطية، بدأ الحديث عن استعداد حفتر إلى بيع النفط الليبي إلى حليفته مصر، وقد أكدت تصريحات "صلاح عبد الكريم" المستشار القانوني لقوات حفتر ذلك الأمر، حينما اقترح على القاهرة بيع النفط الليبي بالجنيه المصري لإخراجها من أزمتها التي تعمقت بشكل غير مسبوق بعد خلاف نظام السيسي مع المملكة العربية السعودية.

في ظل هذا التقدم الكبير والنفوذ الواسع الذي حققه حفتر، ومراهنة الكثيرون على إنهيار حكومة الوفاق التي عجزت حتى الآن عن بسط سلطتها بشكل كامل في العاصمة طرابلس، إلا أن الانتصارات السريعة والمؤقتة التي حققتها سرايا الدفاع عن بنغازي في منطقة الهلال النفطي خلال الأسابيع الماضية، كانت كفيلة بإظهار هشاشة معسكر الانقلابين ومحدودية قواتهم، لكن قوى الثورة لم تتمكن من استغلال هذه التطورات الميدانية والبناء عليها، ولعل عودة حفتر إلى هذه المناطق مستغلاً ذلك الدعم الاقليمي والدولي فوت الفرصة على قوى الثورة الليبية وحرمها من تسجيل أي إنجازات جديدة.

لكن ما يُحسب  لسرايا الدفاع عن بنغازي أنها كشفت عن هشاشة ذلك الكيان الإنقلابي، خاصةً أنها فككت جزءً مهماً من ذلك الكيان، وأستقطبت حلفاء جدد، مثـل  "إبراهيم جضران" الذي سبق لقوات حفتر أن أخرجته من المنشآت النفطية قبل حوالي ستة أشهر، كما أن تحالف وزير الدفاع في حكومة الوفاق الوطني المهدي البرغثي "أبرز حلفاء حفتر"، لم يعد قائماً بعد إخراجه أيضاً من مدينة بنغازي، فضلاً عن تمكن سرايا الدفاع عن بنغازي من تحييد مرتزقة العدل والمساواة السودانية التي كانت أحد حلفاء حفتر، حيث تحدثت بعض التقارير الصحفية في هذا الصدد عن صفقة، بين هذه الأخيرة والسرايا، بحيث يتم منح تلك المرتزقة مبالغ مالية مقابل الانسحاب الآمن وهو أمر لم يتم التأكد من صحته بعد.

إستراتيجية ضرب معسكر الانقلابيين من الداخل التي أتبعتها سرايا الدفاع عن بنغازي، أكدتها تصريحات الناطق باسم ما تُسمى "عملية الكرامة" أحمد المسماري الذي وصف ما حدث "بالخيانة" التي تعرضت لها قواته في المنطقة.

رغم حرص سرايا الدفاع عن بنغازي على توجيه الدعوة الى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، والطلب منها استلام الموانئ، من أجل تفويت الفرصة على حكومة السراج التي كانت ستطالب بتدخل دولي، إلا أن القوى الاقليمية والدولية التي تدخلت جوياً وبحرياً لصالح حفتر أكدت دورها القذر في إجهاض أي تقدم للثورة الليبية.

في هذه الأثناء تجلى الصراع على الثروة في أبشع صورة بإعلان برلمان طبرق عن إلغاء اعتماد إتفاق الصخيرات، وذلك رداً على الهزائم المؤقتة التي مُني بها ما يُسمى بالجيش الوطني التابع لحفتر في منطقة الهلال النفطي قبل أن يستعيدها في وقت لاحق، وأغلب الظن أن مثل هذه الخطوة التصعيدية من شأنها أن تصب مزيداً من الزيت على النار، فمجلس النواب لم يُفعِل هذا الاتفاق من الأساس لكنه يحاول استغلال الموقف لتفويت أي فرصه من يمكن أن تفتح منافذ للحوار.

على أي حال فإن الحديث عن البعدين السياسي والعسكري اللذان ستضيفهما حالة الارتباك وعدم التوازن التي أصابت الثورة المضادة سيكون سابق لأوانه، لأن عملية تعديل المسار ونبذ الخلافات بحاجة الى وقت طويل، لكن خريطة التحالفات في ليبيا يمكن أن تشهد تحولات مهمة، وذلك في ظل الحديث عن تقارب بين بعض مكونات مصراته والغرب الليبي بشكل عام، وبعض المكونات السابقة في تحالف برقة السياسي والعسكري، وهو ما يمكن أن يُعطي دفعه جديدة ونفوذ أكبر لقوى الثورة في ليبيا، خاصةً أن سرايا الدفاع عن بنغازي التي تراجعت مؤخراً أمام الهجمات الجوية والبحرية التي ساندت حفتر في منطقة الهلال النفطي، سبق وأن نجحت في أستقطاب حلفاء جدد أبرزهم "المهدي البرغثي"، فهذا الأخير كان أحد الأقوياء داخل معسكر الكرامة الذي يقوده خليفه حفتر.

 في هذا السياق فإن أكثر الخاسرين من التطورات الميدانية التي تشهدها البلاد، هو رئيس المجلس الرئاسي "فائز السراج، لأن دعاية الاستقرار والسيطرة في المنطقة الشرقية الذي طالما روج لها، لم يعد بالإمكان تسويقها على الشعب الليبي وحلفاءه في الخارج، لذلك أصبح السراج أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يعترف بتعقيدات الواقع التي هي أبعد وأعمق من مجرد الجلوس مع خليفة حفتر، أو قبوله ضمن المنظومة السياسية والعسكرية.

ما هو مطلوب الآن من قوى الثورة الليبيبة والحريصين على نجاحها من القوى الخارجية، هو العمل على  دفع مختلف الأطراف الى التفاوض والانخراط في العملية السياسية، لأن بحث بعض الأطراف عن النفوذ والثروة ودعمها للثورة المضادة سيجعل الصراع في ليبيا أكثر تعقيداً، فما حدث في منطقة الهلال النفطي وما سبقها من جولات يُنذر بجولات جديدة في الحرب الأهلية الليبية المتعددة الأطراف.