عندما بدأت إيران بصياغة منظورها للهيمنة الاستعلائية في ثمانينات القرن الماضي لإعادة مجد الأمة الفارسية (الساسانية) التي هدمها العرب- وفق الذهنية الإيرانية- صاغ المفكرون الصفويون مجموعة الأهداف باستعارة "مصطلح" (أم القرى) والتي حولها محمد جواد لاريجاني -رئيس جمعية الفيزياء والرياضيات في إيران-  إلى نظرية تتحرك من خلالها إيران في الوطن العربي وفي سياستها الداخلية والخارجية.

ولعل هذا المصطلح له دلالتين سياسية ودينية فهو يعتبر "مكة" المكرمة أم القرى للمسلمين لأن بزوغ فجر الإسلام كان من مكة والمدينة، فهي قبلة المسلمين ومصدر توحدهم. وأما الدلالة السياسية فهي أن إيران هي النموذج الأسلم والأصلح لتأخذه الدول الإسلامية أشبه بالفكرة الرسمالية التي تقسم دول العالم إلى مركز ومحيط، فهي تريد أن تقدم نفسها مركزاً دينياً وسياسياً في آن واحد، وما كان لها أن تكون كذلك إلا بالتحكم ببلاد الحرمين إن لم يكن احتلالها، واستخدم الجماعات المسلحة على مدى العقود السابقة من أجل فرض السيطرة السياسية وتحويل طهران إلى مركز سياسي تمهيداً للوصول لكون إيران مركزاً دينياً أيضاً وهو ما بدا واضحاً من أفواج الحجيج بالملايين إلى المراقد الإيرانية والحوزات الشيعية.

تطمع إيران أن يكون الظرف التاريخي المعاصر -الذي تمر به الدول العربية والإسلامية منذ اندلاع الربيع العربي ضد الاستبداد السياسي لمجموعة الحكام العرب- بيئة مناسبة ورخوة لنشر ثورتهم خارج إيران، و "تصدير الثورة" أداة المعممين في إيران المعمول المنصوص عليها في دستور البلاد لتحقيق مجموعة الأهداف وفق "نظرية أم القرى". نشرت صحيفة واشنطن بوست نهاية فبراير/شباط الماضي أن قاسم سليماني قائد فيلق قدس يملك 100 ألف مقاتل والعديد من الأذرع العسكرية الميليشاوية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين ويملك ولاء شيعة داخل دول الخليج، ويظهر بشكل أكثر بوقاحة في جبهات القتال بالبلدان العربية قائداً للعمليات ضد المسلمين السُنة وتهديم الدول العربية الواحدة تلو الأخرى وإدخال المنطقة في رُعب ولا استقرار مستمر، وفقاً لتجربة الثورة البهية التي أعادت إيران إلى زمن ما قبل الشاة.

والهدف: "إيران أم القرى" قبلة المسلمين ومنهل التجارب التاريخية والثورات المستمرة، أفكٌ مستمر ينجر إليه الخائبون العرب فشلوا في الاندماج مع المجتمعات وساقوا أحداث التاريخ لخدمة نظام الملالي وعبثة المستمر.

ولأجل ألا يتحقق طموح نظام الملالي ويعبث بقبلة المسلمين ويحول نفسه مركزاً وبقية الدول العربية رعايا كما فعل مع سوريا والعراق ولبنان -ويحاول في اليمن- وألحقها كمحافظات تابعة للمركز الطائفي المقدس، على دول الخليج -حاملة لواء القومية والأكثر تنظيماً واستقراراً- وبمساعدة دول المغرب العربي ودول أفريقيا والدول الإسلامية الكبرى (تركيا وماليزيا واندونيسيا وباكستان) ومساندة الغرب وشرق آسيا، تبني رؤية استراتيجية واضحة المعالم تعمل على عزل إيران عن محيطها، فإيران التي تنادي بحسن الجوار تملك علاقات سيئة وتدخلات كبيرة في أذربيجان وتركمانستان وأذربيجان(شمالاً) وأكثر من سيئة واستعداء مع تركيا (غرباً)، وجوار مُقلق مع أفغانستان وباكستان (شرقاً). أما من ضفة الخليج العربي الأخرى فبدون عزل طهران خليجياً ستفشل أي جبهة لمقاومة الإرهاب الإيراني؛ ويشمل ذلك قطع -وإن كان جزئياً للعلاقة الاقتصادية- وفرض عقوبات دولية وإدراج الكيانات الإيرانية الداخلية ضمن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها فيلق قدس والحرس الثوري.

ويظهر واضحاً أن الولايات المتحدة بدأت في المواجهة عبر أمريكا اللاتينية حين أعلنت عن عقوبات على نائب رئيس وزراء فنزويلا طارق العيسمي أحد القيادات الكبرى التي تخدم النظام الإيراني وحزب الله بترأسه شبكات تجارة المخدرات والأسلحة لصالح نظام الملالي.

أما العزل الأخر للنظام الإيراني فيكون داخلياً بدعم حركات الاحتجاج ضد النظام، ومساندة الأقليات المضطهدة، عرب الأحواز، والآذاريين والتركمان وحتى الساخطين من اللاجئين الأفغان، وبهذه الطريقة يتفرغ النظام لمخاوفه من السقوط، ويعيد ميليشياته التي تستبيح دماء المسلمين في البلدان وسيكون لذلك تأثيراً على مشاريعها في غرب آسيا وحتى في أفريقيا بالرغم من كون جناح تصدير الثورة يبدو منعزلاً إلا أن ارتداداته ستصيب الجناح بارتباك وإفشال.

وفي بلاد الحرمين لتجنب الاستباحة الفارسية الناقمة من التاريخ والجغرافيا، فتأمين المحيط من الأذرع الإيرانية التي تعيث فساداً في اليمن والبحرين والخلايا النائمة في بقية دول الخليج ليس توجيهاً بقمعها بقدر احتوائها وتقطيع أي مقاربات مع إيران، التوعية لا التخدير للشعوب العربية بالخطر الإيراني هو السلاح الرئيس الذي يتطلب يد حازمة ومتوافقة مع الجوار والمحيط لا أن تنفرد دولة بمصالحها ضد مصالح الأمن الإقليمي في شبه الجزيرة العربية أو في بقية دول الوطن العربي.