يوجد مجموعة من الثوابت في السياسة الدولية النشطة في الشرق الأوسط، أول قواعدها عدم التفريط بأمن الكيان الصهيوني، وأيضاً عدم التخلي عن غاية خلق بيئة عربية مناسبة تقبل التصالح مع هذا الكيان. هذه القاعدة سعت القوى الغربية - سواء كانت بهويتها العلمانية أو الدينية الكنسية - لتطبيقها منذ احتلال فلسطين عام 1948 من خلال إنشاء منظومة دول الطوق، وهي عبارة عن كيانات سلطوية تكون مهمتها حماية الحدود الخارجية لفلسطين وتقليص فرص عودة اللاجئين الفلسطينيين الفارين من الحرب سواء من خلال التوطين أو الطرد أو الحصار أو إجبارهم على القبول بحياة المنفى.

بعد أن ذهبت بعيداً منظمة التحرير الفلسطينية في التعاطي مع خيارات السلام وطرحت نفسها ممثلاً للشارع الفلسطيني وحازت على قبول غربي وصهيوني كبير بسبب المغريات التي قدمتها لهم كعربون صداقة وسلام، أبرزها الإقرار بشرعية الاحتلال وحقه في البقاء على الأرض فلسطين، والقبول بمحاربة الحَراك الإسلامي في الداخل الفلسطيني لتقويض أي فرصة لحالة تحرر جديدة تخرج من الداخل الفلسطيني، بعد كل ذلك خرجت منظمات فلسطينية إسلامية تدعو مرة أخرى لتحرير فلسطين من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وتحدت الوجود التصالحي للسلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني، وأبرزت سيفها للقصاص من العدوان الصهيوني الذي لم يتوقف ضد الشعب الفلسطيني، ذلك أغرى الكيان الصهيوني ليجبر السلطة على الخوض في مواجهة الإسلاميين الذين يمثلون خيار التحرر الأخير للشعب الفلسطيني بعد أن سقطت علمانية فتح وشيوعية اليسار، لكن حتى خيار المواجهة مع الإسلاميين سقط باستيلاء حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، وبذلك وضعت سيناريوهات جديدة أبرزها ما طرح على لسان العديد من المعلقين الصهاينة، والذي جاء فيه أن غزة يجب أن تعود إلى الحضن المصري لتتخلص تل أبيب من المواجهة وتكلفة الحرب هناك، لا سيما بعد سقوط السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية.

وعلى غرار مفاوضات أوسلو تواصل مسلسل المصالحة الفلسطينية الكاذب ليبقي للبسطاء من العوام الأمل بعودة الاستقرار إلى قطاع غزة، لكن الإرادة الدولية كانت ترى أن الانقسام بين غزة والضفة فرصة كبيرة لإشغال حركة حماس أكبر فصيل فلسطيني مقاوم من خلال تولي مسؤوليات الحياة اليومية للسكان ومن ثَمَّ ستقوم بتغيير حساباتها السياسية والأمنية تجاه الكيان الصهيوني.

الاستحقاقات الاقتصادية التي فُرضت على "حماس" وأهمها دفع كثير من المال لمؤسسات الدولة وموظفيها الذين شغَّلتهم بعد السيطرة على قطاع غزة واستغلال فتح للأزمة وتخلي السلطة الفلسطينية عن دورها اتجاه سكان قطاع غزة باستثناء جمع الضرائب، جعل حماس أيضاً تتجه للضغط على السكان بزيادة وتضخيم الضرائب في ظل أوضاع معيشية صعبة بفعل الحصار.

هذا الأمر دفعها إلى البحث عن إعانات اقتصادية خارجية، لكنها جهود صدها الغضب العربي من فكرة حماس كمشروع مقاوم يحاول إسقاط مشروعية السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس بالإضافة إلى الضغوط الأمريكية الصهيونية التي تتصدى لأي فرصة إنعاش لحركة حماس.

بسبب موقفها من الأزمة السورية توقفت إيران تقريباً عن توفير المخصصات المالية التي كانت ترسلها للجناح العسكري لحركة حماس كتائب القسام، لا سيما أنها وجدت ضالتها في حركة الجهاد الإسلامي التي انتهج عدد غير محدود من شبابها نهج التشيع السياسي مثل هشام سالم الذي أعلن عن إنشاء حركة صابرين التي حاربتها حركة حماس وأجهزتها الأمنية.

 ولم يتبق لحركة حماس سوى خيارات محدودة أبرزها قطر وتركيا اللتان تنظران إلى حركة حماس على أنها فرصة الضغط الأخيرة على تل أبيب وواشنطن في المنطقة، وإن كانت قطر ترسل بين فينة وأخرى أموالاً لدعم استقرار حركة حماس لكنها مجرد رشفة ماء لا تسمن ولا تغني من جوع أمام حاجات السكان في قطاع غزة بالإضافة إلى التسليح العسكري لحركة حماس. كما أن تلك الأموال لن تكون يوماً خياراً بديلاً لأن قطر تتعاطى مع القضية الفلسطينية على أنها استحقاقات سياسية تتطلبها ظروف المرحلة وليست خطاً أيديولوجياً أو جزءاً من مشروعها الاستراتيجي في المنطقة.

أخطر الملفات التي تعيق أي تحرك بالنسبة لحركة حماس هو المقصلة المصرية التي تتحكم بخيوط الملف الفلسطيني من جناحيه، سواء على صعيد الخصومة مع محمود عباس ومحاولات دعم محمد دحلان ليكون بديلاً عنه، أو على صعيد استمرار محاصرة قطاع غزة وابتزاز حركة حماس لإجبارها على إطلاق المعتقلين الصهاينة لديها.

 في الآونة الأخيرة وقع جدل عنيف حول من سيتصدر المكتب السياسي لحركة حماس، وكانت جميع الترجيحات تشير إلى أن رئيس الوزراء السابق إسماعيل هنية هو الذي سيكون خليفة رئيس المكتب الحالي خالد مشعل، لكن هناك عدة اعتبارات يمكنها أن تمنع قيادة حركة حماس من انتخاب إسماعيل هنية؛ أبرزها صعوبة الحركة بالنسبة لإسماعيل هنية المقيم في قطاع غزة بالإضافة إلى ضعف روابطه مع الخارج والقبول لدى الجانب المصري والعربي الرسمي عموماً، ومن منظور شخصي فإنني أرى أن السيد موسى أبو مرزوق وهو أول رئيس للمكتب السياسي لحركة حماس ربما الأكثر قدرة على تولي مثل هذه المهمة خصوصاً في ظل تمتعه بعلاقات خارجية جيدة بالإضافة إلى كم كبير من التأييد داخل قواعد وقيادات حركة حماس، بالإضافة إلى العلاقة القوية التي يتمتع بها أبو مرزوق مع المصريين والقطريين والأتراك.

في الاجتماع الأخير الذي جرى بين قيادات من حركة حماس ومدير المخابرات المصرية اللواء خالد فوزي تلقت وعوداً مبهرة حول فتح صفحة جديدة مع قطاع غزة ورفع الحصار وفتح معبر رفح... لكن تلك الوعود صدمت بمطالب مصرية أولها المفاوضات حول الأسرى الصهاينة وطرق مبادلتهم ورفض مصر التعاطي مع مطالب الحركة، بالإضافة إلى طلب مصر من حركة حماس التوغل داخل سيناء المصرية لمسافة 3 كيلومتر لمساعدة الجيش المصري في ملاحقة عناصر "داعش" الأمر الذي رفضته حركة حماس خوفاً على علاقتها مع أهالي سيناء التي بنتها على مدار العقود السابقة باعتبارهم العمق الاستراتيجي لقطاع غزة.

أقر الكنيست الصهيوني خلال الأيام الماضية قانوناً يشرعن الاستيطان في 60% من أراضي الضفة المحتلة، وهذا القانون بمثابة صفعة لكل الجهود الغربية الساعية لإكمال مسيرة المفاوضات بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني، لا سيما أنه يتصادم مع قرارات دولية وأممية سابقة تتنافى مع هذا التشريع. هذا القانون وأمثاله من الجهود التي يقودها التيار الديني في الحكومة الصهيونية ربما تساهم في القضاء على السلطة الفلسطينية في الضفة وسرعة إشعال عجلة انتفاضة جديدة قد تقلب الموازين في الضفة المحتلة لصالح حركة حماس، لكن على صعيد قطاع غزة إن لم يكن هناك مصداقية مصرية في التعاطي مع الوعود التي تطلق بين فينة وأخرى حول التخفيف من الحصار؛ فإن حركة حماس في غزة مضطرة أن تتحمل استمرار الحصار والضغط الاقتصادي على السكان، وهذا الأمر لن يكون فاعلاً على المدى البعيد، أو أن تقوم بتسليم إدارة غزة للسلطة الفلسطينية تحت إدارة الرئيس محمود عباس وهذا الأمر لن يكون مقبولاً بالنسبة لفتح في ظل وجود قوة عسكرية مكونة من عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تديرهم حركة حماس. بالإضافة إلى أن البعد الإقليمي والدولي يرفضان وجود "حماس" مشروعاً سياسياً بهوية فكرية إسلامية يطالب تحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وهي رغبة خالصة مصدرها حاخامات الكيان الصهيوني.

لدى حركة حماس جهاز عسكري صلب البنيان ولديه عقيدة قتالية إسلامية ذات بعد قومي فلسطيني، حافظ بدرجة كبيرة على ثبات واستقرار الحالة الأمنية في قطاع غزة لصالح الحركة لكن لن يقدم هذا الجهاز حلولاً سحرية لمشكلات حماس المالية المتضخمة أو السياسية التي تتعثر بفعل الضغط الدولي، ولا سيما أن الحالة المصرية التي تراهن عليها حماس لا يوجد فرص لتغيرها في الفترة المقبلة في ظل حكم شمولي أوتوقراطي متصالح جداً مع النظرية الغربية الصهيونية تجاه حركة حماس والمنظمات الفلسطينية، ويحاول التسويق لبديل فلسطيني جديد أكثر قبولاً لتل أبيب وهو محمد دحلان.

بحسب الاجتماعات الأخيرة بين وفد "حماس" الأمني والمخابرات المصرية" فإن الأخيرة طلبت من حماس المساعدة في تسليم عناصر متطرفة سواء في رفح سيناء القريبة من حدود غزة أو في غزة نفسها، لكن بالنسبة للجناح العسكري لحركة حماس فإن تسليم أمثال هؤلاء يعني الإضرار بالعلاقة العميقة التي تشكلت عبر عقود من الزمن بين الحركة وشيوخ قبائل سيناء والقوة السلفية المؤثرة والتي أصبحت أحد اللاعبين الرئيسيين في سيناء، بالإضافة إلى أن "حماس" بذلك تغلق المنفذ الوحيد المتبقي لها من حيث التخفيف من وطأة الحصار، وهنا نشير إلى دور الأنفاق في تعزيز صمود قطاع غزة وحركة حماس خصوصاً، رغم الحملة الكبيرة التي شنها الجيش المصري لتدمير تلك الأنفاق لأنها التي تسمح لحركة حماس بالمناورة السياسية وتعطيها فرصة لتحسين شروط استمرارها.

هناك ملف آخر تحتكره مصر وهو ملف تبادل الأسرى حيث تأمل تل أبيب أن تضغط على "حماس" للإفراج عن 3 جنود صهاينة تعتقلهم الحركة منذ حرب عام 2014 وتقول الحكومة الصهيونية إنها لن تقدم أكثر من التخفيف من وطأة الحصار على غزة مقابل الإفراج عنهم على اعتبار أنهم أشخاص يعانون اضطرابات نفسية، لكن حركة "حماس" تريد استخدام هذه الورقة لإخراج أكثر من خمسة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال. في ظل سيطرت اليمين الصهيوني على الحكومة وتأثيره الفاعل في المشهد السياسي فإن حكومة بنيامين نتنياهو لن تقوم بالمجازفة بصفقة من شأنها تحسين صورة حركة "حماس"، لذلك يبقى الأمل ضئيل بأن تخرج صفقة وفاء أحرار أخرى في ظل وسيط مصري منحاز لتل أبيب أكثر من انحيازه لغزة وينظر لحركة "حماس" على أنها نموذج لجماعة "إرهابية" تعارضه في مصر. يبقى أمام حركة "حماس" فرصة واحدة وهي مرتبطة بجدية الجهود التي يبذلها محمد دحلان لإقصاء خصمه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من السلطة ويحتاج بصورة كبيرة حركة "حماس" في ذلك سواء من خلال الحَراك الثوري في الضفة ضد عباس أو من خلال حرية حركته في قطاع غزة والمخيمات في لبنان.