تستعصي الساحة الليبية بما فيها من مكونات سياسية على فهم كثير من المتابعين لشأن ليبيا السياسي؛ فموجة الثورات العربية التي اندلعت خلال السنوات الخمس الماضية تم إجهاضها بأساليب مختلفة، سواء باستخدام القوة العسكرية المفرطة من قبل الأنظمة الحاكمة، التي حققت من خلالها نجاحات نسبية سريعة، أو بتطعيم تلك الأدوات الخشنة بأساليب ناعمة كانت كفيلة بضرب النسيج الاجتماعي والثقافي والإسلامي عبر الاستعانة بجماعات دينية طالما كانت وبالاً على الأمة.

إلى جانب الطرق الصوفية التي يتم توظيفها هذه الأيام في العديد من البلدان العربية لخدمة بعض الأنظمة القمعية والمشاريع الخارجية، كان المشهد الليبي الثوري على موعد مع ظهور التيار المدخلي أو "الجامية" اللذين حاولوا تغطية عورتهم بالثوب السلفي كسائر الجماعات المتطرفة "تنظيم الدولة داعش" وغيره.

رغم فشل أفكار هذا التيار في الإعلان عن نفسه في بلد المنشأ بسبب اعتمادهم على أسلوب التجريح في علماء المسلمين، وطرحهم للأفكار والتراجع عنها من حين لآخر، ومحاولاتهم المستمرة البحث عن أخطاء علماء الإسلام، إلا أن الدعم الخارجي لهم، مكنهم من لعب أدوار مختلفة في بعض دول المغرب العربي، والساحة الليبية على وجه الخصوص.

وفي خضم الخلافات السياسية بين نظام القذافي وبعض خصومه في ليبيا خلال تسعينات القرن الماضي، لجأ الأخير إلى احتضان التيار المدخلي ومكنهم من جذب كثير من الشباب، في المدن الليبية المختلفة، حتى أن بعض الوثائق والدراسات التي نُشرت في بعض مراكز الدراسات الغربية وخصوصاً الأمريكية منها، كانت قد طالبت بتعاون أجهزة الاستخبارات مع حاملي الفكر المدخلي، ودعمهم وفتح الباب أمامهم، لأن دورهم مشابه لدور الطرق الصوفية التي وقفت بلا تردد مع المشاريع الغربية في المنطقة.

على الرغم من أن ليبيا كانت من أكثر بلدان شمال إفريقيا من حيث النشاط الدعوي السلفي خلال تلك الحقبة التاريخية، إلا أن فيروس التيار المدخلي بدأ ينخر الجسد الليبي، لأن حالة الريبة والقلق التي أصابت نظام القذافي بسبب تهاوى وإفلاس مشروعه الفاشل، جعلته يستعين بذلك التيار الذي يحرص زعماؤه على نسب أنفسهم للفكر السلفي، وخاصةً أن أدوات القذافي القمعية كانت قد فشلت أمام الشباب الإسلامي الذين أطلق عليهم مسمى الزندقة وفقاً لتعبيره.

في هذه الأثناء بدأ التيار المدخلي يقدم خدماته لنظام القذافي الذي استقبل العديد من الشباب المنتمين لهذا التيار من داخل البلاد وخارجها، وتولى الساعدي القذافي إجراء العديد من اللقاءات معهم داخل ليبيا وخارجها، وقد عمل هذا التيار، الذي قدم فروض الولاء والطاعة للقذافي، على مهاجمة التيار الإسلامي عموماً ووصفهم "بالخارجي المحترق" وغيرها من أساليب التجريح التي يُجيدها التيار المدخلي، لكن الانقسامات داخل هذا التيار ظلت حاضرة آنذاك، فكان أبرز زُعمائهم المنقسمين على أنفسهم "فالح - الماربي - المدخلي".

حينما بدأ النظام الليبي السابق يتهاوى أمام الشعب الثائر، لم يُخف القذافي في خطاباته الأخيرة عبارات الشكر والثناء على زُعماء التيار المدخلي وعلى دورهم في الدفاع عن نظامه، من خلال استخدام المساجد والخُطب المسجلة ونشرها في الأسواق فضلاً عن خطاباتهم الإعلامية التي تحث الشباب والثوار الليبيين على طاعة الحكام وولاة الأمر.

 لكن مع سقوط نظام القذافي والتحولات الجذرية التي أعقبت ذلك، لعب التيار المدخلي عدة أدوار أظهرت الوجه الحقيقي لزعمائه الذين أضحوا شوكة في حلق الثورة الليبية، ليس فقط من خلال نشر فكرهم الانبطاحي أمام قيادة الثورة المضادة التي يتزعمها اللواء خليفة حفتر، بل الذهاب لأبعد من ذلك بكثير، حيث أكد الشيخ "محمد بن ربيع المدخلي" عبر فضائية البصيرة في شهر مايو 2014، سروره بحركة "حفتر"، سائلاً الله أن ينصره دون سفك دماء كثيرة على حد تعبيره، مطالباً "حفتر" باعتقال الرؤوس الكبيرة على حد وصفه، حتى يمشي الشعب وراءه بكل راحة وهدوء.

 تلك التصريحات أعقبها هجوم غير مسبوق من مشايخ التيار المدخلي على قيادة الثورة وقد نال مفتي ليبيا الشيخ "صادق الغرياني" المناصر للثورة الليبية النصيب الأكبر من الهجوم المدخلي.

لكن النقلة النوعية التي طرأت على أصحاب هذا الفكر، جاءت في مايو 2014، حينما انتقلوا من مرحلة الخطابات الدينية المناهضة للثورة والمسفهة لعلماء المسلمين، إلى مرحلة تشكيل الميليشيات العسكرية، فكتيبة "التوحيد" التابعة للمداخلة التي تتلقى دعماً خارجياً حسب تقارير صحفية، كانت قد أعلنت ولاءها "لخليفة حفتر"، ومنذ ذلك الحين أضحى للتيار المدخلي في ليبيا شأن سياسي كونه أصبح جزءاً من المعادلة.

في هذه الأثناء لم تعد القوة الناعمة هي السبيل الوحيد للتيار المدخلي الذي طالما تمسك بها زعماؤه، فإلى جانب توفير الغطاء الديني والفتاوى التي تدعم اللواء "خليفة حفتر" الذي أضحى ولي أمر بالنسبة للتيار المدخلي، أصبحت كتيبة التوحيد أحد أشهر الميليشيات المسلحة التي تتبع التيار المدخلي في ليبيا، وتأتمر بأوامره وتقاتل إلى جانب قواته ميليشياته العسكرية في بنغازي والمنطقة الشرقية.

إذا كان بارود الفتنة جاهزاً في معظم البلدان العربية والإسلامية ولا سيما ليبيا، فإن مسألة إشعاله تبدو في غاية السهولة بالنسبة لأتباع "الشيخ الصافي" وغيره من علماء التيار المدخلي، فوفقاً لوزارة الداخلية الليبية في 22 نوفمبر 2016، فإن عناصر مسلحة تابعة للتيار المدخلي قامت بخطف الشيخ نادر السنوسي العمراني، الأمين العام لهيئة علماء ليبيا وأحد أبرز أعضاء دار الإفتاء الليبية وقتلته بدم بارد، وذلك تنفيذاً لفتوى "الشيخ الصافي" أحد مشايخ الجامية، الذي قضى فيها بإنزال القصاص بالعمراني لرده على ربيع المدخلي الذي يناوئ الصادق الغرياني العداء.

ولا ريب في أن خطوات التيار المدخلي نحو إجهاض الثورة الليبية ومحاربة التيارات الإسلامية على وجه الخصوص، بدت أشد ضراوة خلال الأشهر الأخيرة، فإصدار الفتاوى وتبرير قتل علماء السنة وإنشاء قواعد عسكرية في مناطق نفوذ قوات "خليفة حفتر"، يصحبها سيطرة واضحه لأصحاب التيار المدخلي على مقرات وزارة الأوقاف في بنغازي والمنطقة الشرقية، فقد عملوا مؤخراً على تعيين عدد كبير من أتباعهم كأئمة وخطباء مساجد من أجل توظيف الخطاب الديني الإسلامي في خدمة مصالحهم وتعبئة الشارع لدعم ولي أمرهم "خليفة حفتر" في حربه ضد الثورة الليبية.