لا يخفى على أحد المكانة الدينية التي تحظى بها المملكة العربية السعودية كونها تحتضن أهم مكانين مقدسين في الاسلام وهما الحرم المكي والحرم المدني، كما أنها تتمتع بدور قيادي عربي وخليجي من خلال دورها في الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي كما أن قوتها الاقتصادية معلومة وهي عضو في مجموعة العشرين وتمتلك قرابة 25 % من احتياطيات البترول المؤكدة في العالم ولها نفوذ كبير في عدد من القضايا الإقليمية سواء في اليمن أو مصر  أو سوريا وغيرها، أما تركيا فهي أيضا دولة إقليمية قوية ومنخرطة في كافة القضايا الإقليمية والدولية وخاصة في العراق وسوريا وهي صاحبة اقتصاد قوي وهي عضو أيضا في مجموعة العشرين.

وبالتالي ونحن نسرد بعضا من خصائص الدولتين اللتين تتواجدان في إقليم الشرق الأوسط الذي يشهد تراجعا في الاهتمام من الولايات المتحدة  بمصالح دوله والتهديدات التي تتعرض لها، كما أنه يشهد تمددا من إيران وتغولا من روسيا  وتدهور أمنيا وسياسيا واقتصاديا  فإن الحاجة إلى تفاهم وشراكة دول مثل السعودية وتركيا مهم جدا لرعاية مصالح المنطقة وشعوبها خاصة أن للدولتين مجالات تأثير مختلفة فالسعودية لها تأثير في عدد من البلاد الإسلامية والعربية الإفريقية والاسيوية فيما أن تركيا لها تأثير في دول البلقان والقوقاز وهذه المجالات كفيلة بأن تكون عمقا استراتيجيا إذا ما ضمت دولا قوية عسكريا واقتصاديا.

وبالرغم من أن  العلاقات التركية السعودية لم تكن على مستوى قوي من التنسيق والتقارب خلال فترة  خمس سنوات ماضية بسبب اختلاف وجهات النظر تجاه أحداث المنطقة إلا أن العلاقات تحسنت بشكل كبير مؤخرا وشهدنا تضامنا بين سياستي البلدين سواء فيما يتعلق بدور السعودية تجاه اليمن حيث أيدت تركيا عملية عاصفة الحزم والتي بدأت في مارس 2015.  كما دعمت السعودية في مواجهة قانون جاستا الذي أقره الكونغرس الأمريكي مؤخرا، أما السعودية فقد أدانت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وأيدت عملية درع الفرات  التي بدأت في 24 أغسطس 2016  والتي تدعم خلالها تركيا قوات من الجيش الحر لطرد تنظيم داعش من مناطق الشمال السوري على الحدود مع تركيا .

وقد ارتفع مستوى التضامن بين البلدين أدان رئيس تركيا ووزارة الخارجية التركية بشدّة، إطلاق الحوثيين  صاروخًا باليستيًا باتجاه مكة المكرمة ومؤخرا تلقى البلدين تهديدا مشتركا بالرغم من قيام تنظيم داعش باستهداف البلدين في أوقات سابقة ولكن زعيم داعش وجه نداء لأفراد التنظيم باستهداف تركيا وسعودية قائلا : "أيها الموحدون.. لقد دخلت تركيا اليوم في دائرة عملكم ومشروع جهادكم فاستعينوا بالله واغزوها واجعلوا أمنها فزعاً ورخاءها هلعاً، ثم أدرجوها في مناطق صراعكم الملتهبة". بالمقابل وجه تهديده إلى السعودية بدعوة من وصفهم بـ "أوتاد الخلافة" بشن عمليات انتحارية واغتيالات لعلماء ومسؤولين وإعلاميين.

كما انعكست هذه المواقف على مزيد من اللقاءات الرفيعة لمسؤولي البلدين فعلى سبيل المثال في مطلع شهر سبتمبر 2016 نجد أن الرئيس التركي قد التقى مع ولي ولي العهد السعودي  محمد بن سلمان على هامش قمة العشرين في الصين ومع ولي العهد السعودي محمد بن نايف في 21 من سبتمبر 2016 على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حتى وصل ولي العهد السعودي إلى أنقرة مساء 29 سبتمبر ليلتقي مع الرئيس التركي مرة أخرى.

أيضا قبل ذلك بعشرة أيام تقريبا كانت زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لأنقرة في 8 سبتمبر 2016 والتقى مع كل من رئيس الوزراء التركي والرئيس التركي وكانت الزيارة مهمة من أجل التأكيد على الموقف السعودي المؤازر لتركيا ضد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 تموز 2016 وقد  تحدث الجبير عن الشراكات الموجودة مع تركيا وركز على نقاط التوافق والالتقاء بين البلدين كقوتين إقليميتين وخاصة فيما يتعلق بالملف السوري. ولعل الملف السوري من أهم الملفات التي يمكن للبلدين أن يعملا سويا بها حيث لا يوجد خلافات أو عقبات تعطل العمل المشترك، ولعل البلدين تجمعهما عدد من النقاط في الملف السوري وهي الاستياء المشترك من الدور الإيراني ورفض البلدين لوجود بشار الأسد في أي حل مستقبلي في سوريا كما أن البلدين لديهما علاقات جيدة بعدد من الفصائل العسكرية المعارضة  ويعزز الأمر أن البلدين لديهما توجه لإمداد المعارضة بأسلحة نوعية يمكن أن تغير سير المعارك وقد كان هذا يصطدم برفض أمريكي في فترة إدارة أوباما وسيكون تحديا في فترة ترامب ولما سبق فإن تحقيق أي انجاز في سوريا سيعتمد بشكل كبير على دعم البلدين سواء السياسي أو العسكري.

وقد تعتبر سوريا بداية واختبارا مهما لمدى ما يمكن أن تقوم به السعودية وتركيا معا في ملفات المنطقة المتعددة كما أن وقف شلالات الدم من المدنيين في حلب تحديدا تستدعي من البلدين دورا خاصا، أما على مستوى القضية الفلسطينية فإن البلدين لهم مواقف تاريخية ومن خلال تنسيق مواقفهم فإن أي موقف مشترك سيكون أكثر زخما .

وقد أدى التقارب في علاقات البلدين إلى انعكاسات على مستوى العلاقة مع دول أخرى حيث يعتقد  محللون أتراك أن الرياض كان لها دور في تحسين العلاقات مؤخرا بين أنقرة وأبوظبي والتي توجت بعودة السفير الإماراتي إلى أنقرة والتي تلت زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو إلى أبوظبي في مايو 2016. وتشهد الأيام الحالية اهتماما كبيرا من قبل البلدين بتمتين العلاقة مع باكستان الدولة النووية وخاصة من قبل القيادة التركية حيث أن العلاقات السعودية الباكستانية تعد علاقات تاريخية وهذا التقارب الثلاثي الذي يريد الخروج من الوصاية الأمريكية سيكون له أثر كبير في رسم ملامح مستقبل المنطقة والعالم الاسلامي، إذا استطاع أن يتجاوز مجموعة من العقبات والتحديات المتمثلة في الأولويات والظروف الخاصة لكل بلد قبل كل شيء. يبقى الإشارة أيضا إلى وجود تفاهمات اقتصادية واستثمارية بين البلدين فوفقا لوكالة الأناضول فقد أقر مجلس الإداريين التنفيذيين في البنك الإسلامي للتنمية، منح تمويل لـ 10 قطارات سريعة، تربط ما بين العاصمة التركية أنقرة مع مدينة إسطنبول، بقيمة بلغت نحو 312 مليون يورو، كما أن توجه السعودية لتنويع اقتصادها قد يلامس توجهات مقابلة من تركيا تفتح مزيدا من أبواب التعاون.

  ملف تركيا والصعود المأمول