لعقود طويلة مضت حاولت كُتب الفلسفة الغربية إقناعنا بحق الإنسان في الحياة والعلم والعبادة. ولسنوات طويلة استقينا من المناهج العلمانية التي تُدرَّس في جامعات المسلمين مفاهيم الديمقراطية والحرية التي يتحدث عنها الغرب، ولا يتوقف ما استطاع عن ترويجها في بلادنا، فإذا ما استوقفتنا المقارنة بين تلك المفاهيم وسلوك صانعيها اتجاه من استنجدوا بهم من مسلمي سوريا وغيرهم، فسنشعر بإحباط وخيبة أمل حينما نكتشف أن ما قرأناه وتعلمناه كان مزيفاً، لأن من وضع تلك المفاهيم لا يحترمها ولا يؤمن بها.

فأزمة اللجوء التي تواجهها أوروبا كشفت عن زيف الشعارات التي رفعتها القارة العجوز منذ زمن بعيد؛ لأن مستوى الانحطاط الأخلاقي والعنصرية التي يُعامل بها اللاجئون المسلمون اللذين أُجبروا على التخلي عن كرامة العيش في أوطانهم، قد عرى منظومة القيم الأوروبية التي لا تجد غضاضة في إرغامهم على التنازل عن هويتهم الإسلامية ليعيشوا في بلاد العجم مواطنين من الدرجة الثانية.

وضعت المجتمعات الأوروبية شروطها في التعامل مع اللاجئين ولم تحرمهم من نظرتها الدونية إن لم يستجيبوا لحملات التنصير التي تقودها الكنيسة، فاللاجئ الجيد هو ذلك الشخص الأكثر استعداداً للتخلي عن إسلامه أملاً في نيل مباركة الكنيسة التي تمنحه صك الغفران ليعيش حياة اللجوء بشكل طبيعي. بينما اللاجئ القابض على إسلامه، لن ينعُم بحرية العيش كغيره، وأغلب الظن لن يكون بمقدوره التخلص من الرقابة الأمنية، فهو عرضة للاستدعاء والتحقيق وربما الحجز مع كل حدث أمني تشهده إحدى العواصم الأوروبية، فضلاً عن نظرة الكراهية والفزع المجتمعي من كل ما هو مسلم.

ولا عجب في أن تعبير بابا الفاتيكان الذي وصف فيه اللاجئين المسلمين بالغزاة لم يكن مجرد زلة لسان؛ لأن مخاوف تغيير الهوية النصرانية باتت تمثل هاجساً كبيراً على حد وصف البابا، وهو ما أكدته مديرة معهد المسؤولية الإعلامية "زابينا شيفر" بقولها: إن الشعب الألماني هو الأكثر كراهية للإسلام والمسلمين.

تلك المخاوف المُعلَنة بسبب تزايد أعداد اللاجئين المسلمين على حساب النصارى شكلت دافعاً لحملات التنصير، حيث نشرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية في سبتمبر الماضي تقريراً مهماً حول اتباع الكنائس لأسلوب التنصير من أجل جذب اللاجئين إلى هذا البلد الذي وصلت فيه أعداد المسلمين إلى 4.3 مليون حسب دراسة مكتب الاندماج الاتحادي الألماني.

لكن الأمر المهم الذي أوردته الصحيفة البريطانية، أن مئات اللاجئين المسلمين اللذين غيروا ديانتهم تعززت فرصهم في الحصول على اللجوء، وهذا يؤكد على أن الحصول على اللجوء يستوجب تغيير الديانة! فالطريقة التي تنتهجها الكنائس في استقطاب اللاجئين حسب صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأمريكية أشبه بسلوك الجمعيات الإنسانية التي تُقدم المساعدات للفقراء. لكن مساعدات الكنيسة تكون مشروطة بتحويل الديانة، ولا تُقدَّم إلا لمن يكونوا على استعداد لتحويل ديانتهم.

وبحسب الصحيفة المذكورة فإن الكنيسة اللوثرية في مدينة "بروبي" الصغيرة جنوب السويد تستقبل عشرات اللاجئين المسلمين وتقدم لهم بعض المساعدات النقدية والإسكان الدائم مقابل تحويل ديانتهم، والمعروف أن للكنائس مساحات وبُنى تحتية كبيرة تُمكنها من تقديم سكن دائم أو مؤقت واستضافة مجموعات من اللاجئين لإكسابهم اللغة، فضلاً عن العوامل الدينية الأخرى، فكنائس أوروبا مدعومة من قبل بابا الفاتيكان، الذي وجَّه تعليماته لكافة الكنائس باستضافة أُسرٍ لاجئة، وقد تم دعم الكنائس وتعبئتها لتقديم جهود إنسانية ضخمة، وهو ما تستغله الكنائس جيداً لتنصير المسلمين.

وفي إطار التعاون بين الكنائس وبعض المؤسسات الخيرية، تتحمل مؤسسة "كاريتاس" الذراع الخيري للكنيسة الكاثوليكية نفقات مساكن لحوالي ثلاثة آلاف لاجئ في النمسا وبلجيكا، وذلك بهدف السيطرة على الأعداد الكبيرة من اللاجئين المسلمين وتحفيزهم على تغيير ديانتهم، وخاصةً أن هناك قلقاً كبيراً لدى المجتمعات الغربية من دخول كثير من النصارى في الدين الإسلامي خلال السنوات الأخيرة، وهذا ما يُفسر مساعي الكنائس الأوروبية لاستغلال ظروف اللاجئين المسلمين الصعبة وجذب كثير منهم نحو النصرانية.

لا تقل النظرة العدائية من قبل المجتمعات الأوروبية التي يُعززها الإعلام الغربي، عن تلك الظروف المعيشية الصعبة التي يُعانيها اللاجئون المسلمون؛ فحادثة "شارلي إيبدو" وتفجيرات بروكسل لن تمرَّ كسحابة صيف على نحو 8 مليون لاجئ مسلم في فرنسا وملايين اللاجئين المسلمين غيرهم في مختلف الدول الأوروبية، لأنهم تحولوا إلى ضحية وأصبحوا في نظر الشارع الأوروبي خطراً داهماً يتهدد مصالحهم. في هذه الأثناء أكد معهد "بيرتلسمان" البحثي الألماني ذلك حين أجرى دراسة ميدانية مع نهاية شهر يناير 2015، مؤكداً على أن محاولات اللاجئين المسلمين الاندماج في البلدان الأوروبية لا سيما ألمانيا، لم تحقق نجاحاتٍ ملموسةً لأن نظرة المواطن الألماني تطورت من المستوى السلبي إلى العدائي، لأن الإعلام الألماني يُعزز من ذلك ولا يتوقف عن إلصاق كل ما هو سيئ بالمسلمين.

هذا ما يدفع مئات اللاجئين المسلمين للذهاب إلى الكنيسة بغرض للتخلص من تلك النظرة العدائية الموجهة نحوهم، لذلك يعترف أحد القساوسة يُدعى "مارتينز" بأن بعض اللاجئين يغير ديانته لتحسين فرصه في البقاء في ألمانيا، وهو اعتراف صريح بالدور غير الأخلاقي التي تلعبه الكنيسة تجاه ملايين اللاجئين من المسلمين.

 ملف الاقليات