في 20 يناير المقبل، وبعد أن يقوم جو بايدن، المرشح الديمقراطي الفائز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأداء اليمين الدستورية في مراسم تقليدية بالكونجرس، بصفته الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، سيذهب في موكب كبير إلى البيت الأبيض ليبدأ فترة رئاسية جديدة تمتد لأربعة أعوام، حينها سيكون الظهور الأخير للرئيس الجمهوري دونالد ترامب، الذي سيذهب بعيدًا عن سدة الحكم، لكنه سيترك وراءه إرثًا ثقيلًا من الترامبية، وهى حالة شعبيّة ستظل فاعلة ومؤثرة لسنوات طويلة مقبلة، فبايدن سيتسلم رئاسة بلاد في أسوأ حالاتها، إما بسبب الانقسامات التي زادتها الحملة الانتخابية الأخيرة، أو بسبب أزمة فيروس كورونا المستجد في ظل تسجيل أرقام قياسية جديدة للإصابات والوفيات، وما يتعلق بالمشكلات الناجمة عن الوباء والعنصرية وعنف الشرطة، أو بسبب إشكاليات انتقال السلطة وتشكيك ترامب المستمر في نزاهة الانتخابات ووصفه لها بأنها "انتخابات مسروقة"، في بلدٍ دأب على تسويق نفسه على أنه بلد الديمقراطية الأبرز في العالم.

عندما كان ترامب في الـ13 من عمره، كان يتميز بسلوك مشاغب، وقد قام والده بتسجيله في مدرسة عسكرية في المدينة بهدف تعلم الانضباط وقيم الاحترام والطاعة، لكنه عندما أصبح شابًا، تمكن ببراعته من الإفلات من الخدمة العسكرية في أكتوبر 1968، متذرعًا بإصابة في الكعب، فيما كان الآلاف من شباب بلده يقاتلون في فيتنام، وعندما أنهى دراسته الجامعية، التحق بشركة والده العقارية قبل أن يصبح رئيسًا لها في عام 1971، كان يؤمن رجل الأعمال الشاب ـ وكما أخبر للصحافة يومًا ـ بأن "النجاح قضية وراثية، فهو لا يُكتسب"، وفي الانتخابات الأخيرة، وبالرغم من هزيمته للمجمع الانتخابي، إلا أنه لم يُهزَم بالكامل، فإذا كانت أصوات المجمع الانتخابي قد خذلته بسبب طبيعية الفائز يفوز بالكل، إلا أنه لا يمكن إنكار نجاحه في حشد أكثر من 70 مليون ناخب، وهو عدد يزيد بكثير عما حققه في عام 2016، ومن هنا فإنه سيستغل هذه الشعبية لتعكير فوز منافسه من خلال التشكيك بشرعية الانتخابات التي لم يعد بإمكانه الفوز بها، حيث سيعمل على تأليب قطاع كبير من الشعب الأمريكي على الرئيس المنتخب حديثًا، في وقت سيعمد فيه مجلس الشيوخ لتعطيل سياساته، نظرًا للأغلبية الجمهورية فيه، وهذا كله من شأنه أن يؤثر سلبًا على ديمومة الأسس الديمقراطية للولايات المتحدة، وهذه حالة لم تعهدها بلاد العمّ سام من قبل، فالواضح الآن بجلاء هو أن الترامبية قد أصبحت أكثر تجذرًا مما كانت عليه قبل 4 سنوات، فقد باتت متأصلة في الولايات الزراعية والصناعية ذات الغالبية البيضاء في أمريكا، وكذلك لدى اليمينيين، والمناهضين للعولمة وكارهي كل ما هو أجنبي، والغاضبين من كل القيم الإنسانية.

فعادةً، ما يكتسب الساسة الشعبيون من ذوي النزعات القومية قوة جذب عندما يشعر أفراد الطبقة المتوسطة بأنهم ظلموا على يد النخب في بلدانهم، أو حتى عند الشعور بالظلم من الأجانب الذين يقتنصون الوظائف ويزاحمونهم في سوق العمل أو الاستثمار، وفي هذه الأجواء التعسة يلجأ الناخبون إلى الشخصيات القوية التي تتمتع بالكاريزما الشعبية والتي تركز في خطابها غالبا على ما تودّ هذه الفئات سماعه، حيث يبدأون في تأليب الشعب ضد المؤسسة السياسية والشركات الاجنبية والمهاجرين، وهذا تماما ما كان يفعله ترامب خلال فترة حكمه الماضية، فتحت شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"؛ استمر في هجومه الساخر ضد خصومه السياسيين، ومناهضته للعولمة، واحتقاره للنخب، رئيس مثير للجدل في بلاده وخارجها بسبب سياسته السلطوية وتصريحاته العبثية وشخصيته الأنانية التي أحدثت انقسامًا لا محالة سيدوم لفترة ليست بالقصيرة، والأدهى أن الانتخابات الأمريكية قد كشفت عن زيف الاعتقاد بأن فترة ترامب كانت مجرد مرحلة استثنائية أو فترة سريالية في التاريخ الأمريكي، إذ كان غالبًا ما يتم النظر إلى خطاباته الحادة وأكاذيبه المتكررة على إنها انحرافات، كما أن إدارته الضعيفة لأزمة جائحة كورونا كانت مجرد يُنظر إليها على أنها أزمة يُعوّل في حلها على شركات الدواء أكثر مما يتم التعويل على "الرئيس المفضل للشعب" كما كان يحب ان يصف نفسه دائما،

وإلى جانب اهتمامه بالأعمال العقارية والإعلام، اهتم ترامب بالشأن السياسي خدمةً لمصالحه الاقتصادية والشخصية، فبدأ نضاله السياسي في الحزب الديمقراطي  في ثمانينيات القرن الماضي، قبل ان يصبح مستقلًا، ثم ينضم لاحقًا للحزب الجمهوري، حيث تميز عن باقي الجمهوريين بطريقة تعامله مع الطبقة الأمريكية الفقيرة والوسطى بكلام الرجل البسيط والقريب منهم، وقد وجد في الكذب أحيانا وفي الكلام البذئ أحيانا أخرى ما يخدم هذا المنهج، كما أن رياح ترامب تلك كانت تأتي بما يشتهيه اليمينيين والمتشددين ومن على شاكلتهم، فكان يقيل مسؤولي إدارته إذا أظهروا أدنى اعتراض أو خلاف مع سياساته، كما كان يدير ظهره للمنظمات الدولية ولا يحترم اتفاقات بلاده مع بلدان العالم، ولا يكترث في ممارسته للسلطة سوى بإرضاء قاعدته الشعبية والانتخابية، وسيظل التاريخ الامريكي شاهدًا على أن هذا الرئيس الذي أتى فاصلًا بين حقبتين في البيت الأبيض، كان يومها هو أكبر الرؤساء الأمريكيين سنًا وأكثرهم ثروة، والوحيد بينهم الذي لم يشغل أي منصب سياسي أو عسكري قبل انتخابه رئيسًا، وأمام هذا الوضع العبثي.. كان من المستغرب بشدة أن الرجل الذي يحكم أكبر وأقوى دولة في العالم لم يدير من قبل سوى مؤسسة تحمل اسم عائلته!

عندما سُئِلَ هنري كسنجر في مقابلة له عام 2016 عن أسباب فوز ترامب، كان رده أن "هناك فجوة واضحة بين منظور العامة ومنظور النخب حول السياسة الأمريكية الخارجية والداخلية، وقد انتُخِبَ ترامب كفرصة للإصلاح بينهما، فهو بلا شك ظاهرة لم ترها أمريكا من قبل، قد تكون تجربة مروعة أو فرصة غير عادية". لكن من المؤكد أن الترامبية ستترك أثرًا دائما على الحياة السياسية في أمريكا وخارجها، ومن الصعب أن نتخيل أن دونالد ترامب، الرجل الذي تجاوز الـ74 عامًا من عمره، سيقرر بين ليلةً وضحاها أن ينسحب بحكمة وعقلانية إلى مزرعته في مار إيه لاجو في فلوريدا، وأن يعيش حياة هادئة بين ملاعب الجولف والاحتفالات الرسمية التي يُدعى إليها رؤساء الولايات المتحدة السابقين، فالتلاشي التام من المشهد العام قد يكون أمرًا غير مدرج على قائمة خياراته، لا سيما وأن الترامبية كحالة شعبوية لن تضمحل في غمضة عين، فقد يفكر ترامب في المشاركة في انتخابات العام 2024، مستغلًا القاعدة الشعبية الصلبة التي يتمتع بها، كما أن الدستور الأمريكي يسمح له بذلك، لكن حينها ستصبح الترامبية حالة منهجية، محلية وعالمية، لا فكاك منها للأبد!، أو ربما يخرج مرشح رئاسي جديد مثل ترامب، يمكن أن يكون من الجمهوريين، أو حتى من الديموقراطيين، لقد تشكلت التربة الخصبة التي تساعد على ظهوره .. يبقى فقط معرفة الزمن الذي سيظهر فيه!