"جدي أوصاني بأن أحافظ على إيماني وأحافظ على ديني، وقال لي انشر الإيمان.... انشر الدين"

هذا ما نطق به بايدن في الخطاب الذي أعلن فيه فوزه في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة والتي جرت هذا الشهر، وهذه الكلمات تحمل كثير من الدلالات والتي نحاول كشف وسبر أغوار ما تحمله من معاني ومن أفكار.

لقد كانت الانتخابات الامريكية الأخيرة وما جرى قبلها وما بعدها وأثناءها فرصة لكشف طبيعة المجتمع وخصائص الحياة الامريكية، والتي ترمي بثقلها على مجريات السياسة الأمريكية وتؤثر على مسارها، هذه الخصائص المجتمعية لابد من ادراكها لمن يريد فهم السياسة الامريكية والتي تبدو في بعض الاحيان متناقضة أو غير مفهومة، ولكن استيعاب هذه الخصائص المجتمعية يسهل علينا حل معضلة فهم المواقف السياسية الأمريكية المختلفة، والتي تظهر أحيانا متناقضة أو غير مفهومة.

طبيعة التدين الأمريكي

من أهم خصائص المجتمع الأمريكي والتي ترمي بظلالها على الحياة السياسية الأمريكية، هو وجود نمط من التدين يسري داخل شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي، وهو طبعا في هذه الحالة يختلف عن الشعوب الأوروبية والتي تميل إلى نبذ التدين أساسا وعدم الاهتمام به أو أخذه في الاعتبار في الحياة العامة، ربما يرجع السبب في ذلك إلى أن أمريكا قد قامت منذ بدايتها على يد كثير من البروتستانت الذين فروا من الاضطهاد الديني في أوروبا، وعندما واجه المهاجرون مقاومة أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر، نصب هؤلاء المهاجرون المذابح للهنود بما يشيب له الولدان، وبعدها كان هؤلاء المستوطنون بحاجة إلى شيء يسوغ أفعالهم هذه ويضفي عليها نوعا من الشرعية والأخلاقية، فلم يجدوا هذا التسويغ إلا الدين، بل إنهم ادعوا أن الله اختار العنصر الأنجلو - سكسوني البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم، كما جعل الله اليهود شعبه المختار.

ومازالت تلك النزعة للتدين البروستانتي تتوغل وتتوسع في الضمير الجمعي الأمريكي حتى يومنا هذا، ووفقا لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2014، ينتمي حوالي واحد من كل أربعة بالغين أمريكيين إلى طائفة مسيحية إنجيلية، وانطبعت مظاهر التدين هذه على الحياة السياسية الأمريكية.

ومر بنا كيف ذكر الرئيس المنتخب بايدن الدين في خطاب فوزه، كما كتبت الصحافة الأمريكية كثيرا من المقالات خلال الأشهر الماضية، عن اهتمام بايدن بممارسة الشعائر الدينية لناحية الصلاة باستمرار، أو الظهور مع مسبحة في يديه.

أما ترامب فحدث ولا حرج...

ففي أعقاب أحداث المظاهرات المتعاطفة مع السود إثر مقتل الشاب الأمريكي ذو الأصل الأفريقي جورج فلويد على يد الشرطة توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيرا من البيت الأبيض إلى كنيسة ساينت جون، الصرح الديني المجاور لمقر الرئاسة والذي طالته أعمال تخريب خلال مظاهرة الاحتجاج تلك، ووقف ترامب أمام المعلم المعماري الأصفر اللون رافعا بيمناه الانجيل (المحرف)، وقال لدينا بلد عظيم...هذا أعظم بلد في العالم وسوف نضمن أمنه.

ولكن صورة الدين في حملة ترامب الانتخابية كانت صارخة، فقد تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم تسجيلات مصورة للقسيسة بولا وايت كاين مستشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الروحية، وهي تصلي وتدعو الله لكي ينصره على أعدائه.

ودعت تلك المرأة الملائكة لمساندة ترامب قائلة إنها تسمع صوت النصر، وأضافت: "أسمع صوت هطل المطر، أسمع صوت النصر، أسمع صوت صراخ وغناء، أسمع صوت النصر، النصر، النصر، النصر، النصر، النصر، النصر الآن في زوايا الجنة، الله يقول إن الأمر قد تم"، وأضافت بولا وايت أن "الملائكة آتية إلينا من أفريقيا ومن أمريكا الجنوبية"، واصفة الأمر بأنه "تعزيزات ملائكية"، فيما علا التصفيق حولها.

وكان أكثر ما أثار الصدمة في البث المباشر الذي شوهد ملايين المرات، استخدام القسيسة الإنجيلية المعروفة عبارات غير مفهومة، وذلك في تقليد يسمى بـ "النطق بالألسن"، إذ يعتقد من يؤدونه أن الروح القدس يحل عليهم، ليصبحوا قادرين على التحدث بلغات قديمة لا يعرفونها.

كما دعت لحماية ترامب من "المؤامرات الشيطانية" و "الأجندات الشيطانية" و "كل روح شيطانية"، وطلبت من الله أن "يضرب ويضرب ويضرب ويضرب" (وهي تؤدّي بيدها حركة تشبه الجلد).

علما أن هذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها طريقة صلاة بولا وايت الذهول، وخلال جولات ترامب الانتخابية كانت ترافقه وتظهر في عدة صور بجانبه في البيت الأبيض، مع عدد آخر من القساوسة وهم يؤدون ما يعرف بطقس وضع الأيدي، ويعني الصلاة عبر وضع اليد على مسافة قريبة من جسد ورأس الشخص المعني، لمده بالطاقة وتوجيه رأفة الله نحوه كما يزعمون.

وفي إحدى عظاتها تقول وايت: "حين أطأ أرض البيت الأبيض، فإن الله يطأ أرض البيت الأبيض، لدي كامل الحق والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضا مقدسة لأنني كنت أقف هناك، وكل مكان أقف فيه هو مكان مقدس".

وهذه المرأة تكرر دائما في مقابلاتها أن "الله تحدث اليها قبل 18 عاما، وطلب منها أن تظهر حقيقته لترامب".

تدين زائف

ولكن التدين الأمريكي ليس تدينا حقيقيا بل هو زائف وستار خادع، يخفي من خلاله تناقضا قويا في السلوك الشخصي، وهذا ما تعبر عنه المسيحية عموما وما يطلق عليها أديان غير الاسلام، فهي في النهاية تم تحريفها في جانب العقيدة وأصولها الفكرية عن الدين الحق الي أنزله رب السماء، ثم كان من الطبيعي أن يترتب على هذا التحريف الفكري انحراف سلوكي خاصة على مستوى الأخلاق الشخصية والانتهازية الحياتية.

فالرئيس المنتخب جو بايدن اتخذ فرصة حادثة حصلت منذ ما يقرب من خمسين عاما، توفيت فيها زوجته وابنته ليظهر أمام القنوات العالمية، ويتحدث بلهجة مؤثرة ليكسب تعاطف الناس ويتمادى في هذا الاستجداء والابتزاز العاطفي أكثر بوفاة ابنه من سرطان المخ منذ عدة سنوات.

وتنتهز حملته حب الشعب الأمريكي للحياة الأسرية لتخرج زوجة بايدن وتقول إن زوجها قد تقدم لها خمس مرات لكي توافق عليه بصعوبة، ولكن زوجها السابق يخرج ليفضحها عل العلن ويقول إنها كانت على علاقة مع بايدن قبل أن تطلق منه.  

وهذا التدين الزائف والمخادع يجعل بايدن يغازل المسلمين، فقد تعهد في أحد خطبه الانتخابية برفع العقوبات على كل المسلمين الذين منعهم ترامب من دخول أمريكا، وقال بالحرف "سأدرج الأصوات الأمريكية المسلمة كجزء من إدارتي، إذا كان لي الشرف بأن أكون رئيسا فسوف أنهي الحظر المفروض على المسلمين من اليوم" وفق ما قالته قناة DW الألمانية، بل أنه قال أخطر من ذلك واكثر نفاقا وتملقا "من الأشياء التي أعتقد أنها مهمة هي أنني أتمنى أن نعلم المزيد في مدارسنا حول العقيدة الإسلامية، وبحسب حديث عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه.."

أما ترامب ففضائحه الأخلاقية والتي تحدث أصحابها عنها فأشهر من تكرار الحديث عنها، ولكن مستشارته الروحية القسيسة بولا وايت الداعمة له والتي تحدثنا عنها في السابق مثال صارخا للتدين المتناقض، فهي المرأة الخمسينية تظهر بلباس متبرج ومتزوجة حديثا من نجم الروك الأمريكي جوناثان كاين الذي يصغرها بعشرات السنوات ، كما انها اتهمت بالاحتيال والهرطقة، خصوصاً بعد انفصالها عن زوجها الأول، وإفلاس كنيسة دون جدران والتي أسستها، بعد تحقيق بنفقات عدد من المبشرين الإنجيليين، ويشكك كثيرون بصدق رسالة وايت، بسبب أسلوب حياتها المترف وهي تمتلك طائرة وقصرا.

هذا جزء يسير من الحياة الاجتماعية الأمريكية المهترئة والتي ترمي بظلالها على السياسة الأمريكية والتي حاول البعض تصويرها بأنها النموذج المحتذى وأمل البشرية في الخلاص!!!