ويوشك مارثون الانتخابات الرئاسية الأمريكية على الانتهاء بعد صعود بايدن واقترابه من حصوله على نسبة أصوات المجمع الانتخابي الأمريكي التي تمكنه من الوصول إلى كرسي الرئاسة، بعد تراجع حظوظ ترامب في الاحتفاظ بالرئاسة الأمريكية.

ويتبقى سؤال هام هل انتهى عصر ترامب في السياسة الأمريكية؟

ترامب لم يكن مجرد رئيس يذهب ويمشي ولكن ترامب حالة تعبر عن مزاج امريكي أصيل.

ولكن ما هو المزاج الأمريكي الذي مثله ترامب؟

إنه مزاج يجمع بين البلطجة وحب المال والعقيدة البروتستانتية..

فمنذ ولادة ما يعرف بأمريكا منذ أكثر من قرنين، ويتوالى على الضمير الجمعي الأمريكي عدة عناصر تتداخل فيما بينها، ليظهر في النهاية ما يعرف بالخصائص العامة للشعب الأمريكي، وهي الخصائص التي تتبلور في عدة أهداف عادة ما تندفع وراء تحقيقها السياسة الأمريكية ومن ورائها الطبقة السياسية التي يجري بينها تداول السلطة هناك داخل لعبة الديمقراطية، ويصطلح كثير من المفكرين والمتخصصين في الشأن الأمريكي على أن هناك ما يعرف بثلاثية (الثروة - الدين – القوة)، وهذه الثلاثية هي التي يجري على أساسها تفسير أي سلوك اجتماعي وما يتفرع عنه من سلوك سياسي تسير وفقه السياسة الأمريكية.

فغطرسة القوة الأمريكية أو البلطجة هي الرغبة الجامحة في فرض السطوة والاستحواذ على مقدرات وقدرات وممتلكات الآخر، وإخضاعه واستعباده، بأي شكل من الأشكال. فأمريكا أنشأت كيانها على أساس القوة عبر الاحتلال والسلب، والمتتبع لنشأة الولايات المتحدة وأخلاق راعي البقر الأمريكي وسلوكه تجاه الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، يلاحظ أن غطرسة القوة وما يتبعها من استعراض وحرص على إذلال الآخر هي غريزة أصيلة داخل النفس الأمريكية، اكتسبتها مع استباحة أراضي الآخرين والسطو على ممتلكاتهم.

ويعترف بعض الأمريكيين أن (الكاوبوي الأمريكي) كان يقتل الهندي الأحمر بنزع فروة رأسه وذبحه وتعليق جثته على الشجر، وفي أواخر القرن التاسع عشر، غزت حكومة الولايات المتحدة دولة المكسيك المجاورة لأن أحد أبناء هذا البلد تجرأ ولم يرفع يده ليحيي العلم الأمريكي.

ولهيمنة القوة على العقل الأمريكي فإن الوحدة بين الولايات تحققت أيضًا بفعل القوة عبر الحروب الأهلية الطاحنة، ويقول والتر راسيل ميد - وهو باحث كبير في برنامج هنري كسينجر ومتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية في مجلس العلاقات الخارجية -: لقد عملت القوة العسكرية للولايات المتحدة وجاذبيتها الثقافية على إبقائها على رأس النظام العالمي، والأمثلة لا تحصى وتجدها في تصريحات الساسة الأمريكيين.

ففي مقابلة نشرتها مجلة لوفيجارو الفرنسية الواسعة الانتشار مع الرئيس الأسبق جورج بوش الابن عام 2004 قال: إن الولايات المتحدة يجب أن تدير شؤون العالم حتى وان كان ذلك لا يرضي بعض الدول.

ومنذ عدة سنوات قال المفكر الأمريكي الشهير ناعوم تشومسكي في حديث مع إذاعة الـ'بي بي سي'، قد يكون فكرة طيبة أن تنشر قيم الديمقراطية الليبرالية... ولكن ليس هذا ما تحاول الولايات المتحدة وبريطانيا فعله، وليس هذا ما فعلاه في الماضي...  ألق بنظرة على المناطق الخاضعة لسيطرتهما.. إنهما لا ينشران الديمقراطية الليبرالية، ما ينشرانه هو الخضوع والتبعية.

في سبتمبر 2020 أي منذ شهرين تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التاريخ الأمريكي في مقر جهاز الأرشيف القومي الكائن في العاصمة واشنطن، وقد ندد يومها بما اعتبره تلقينا يساريا لأطفال المدارس الأمريكيين، وقال إنه يتم تنشئة هؤلاء الأطفال على كراهية أمريكا وتاريخها وتقاليدها، فاليسار قد شوه التاريخ الأمريكي بالمغالطات والأكاذيب والافتراءات على حد زعم ترامب عبر القول لأطفال المدارس إن الولايات المتحدة الأمريكية قد قامت على مبدأ القمع ولم تتأسس على مبدأ الحرية.

أما الدين فالتراث الديني في أمريكا يستمد أصوله من المذهب البروتستانتي في إنجلترا وارتحل إلى أمريكا؛ والذي نشأ مع حركة الإصلاح الديني التي قادها (مارتن لوثر) في القرن السادس عشر، وأسهمت هذه الحركة في بعث اليهود من جديد؛ وبذلك نفهم الحرص الأمريكي على وجود الدولة الصهيونية.

عبر الكاتب اليهودي الأمريكي جون بيتر عن واقع أمريكا سابقا ولاحقا، حين كتب: إن الرؤساء الأمريكيين ومعاونيهم ينحنون أمام الصهاينة كما ينحني العابد أمام قبر مقدس، وتكشف هذه الكلمات القليلة في عباراتها الكثير من المعاني، وتجلى دور الدين في أمريكا ما فعله الرؤساء الأمريكيون في دعم الحركة الصهيونية، وزاد هذا الدعم في بداية الأربعينيات مع انتقال مركز الثقل في النظام العالمي إلى الولايات المتحدة. فالرئيس روزفلت اتخذ نجمة داود شعاراً رسمياً للبريد، والخوذات التي يلبسها الجنود، وعلى أختام البحرية، وجاء بعده ترومان الذي أصدر بياناً طالب فيه بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، وكان له دور مشهود بجانب اليهود في حرب 1948.

وعلى الرغم من علمانية الدولة على المستوى الدستوري، إلا أن المجتمع الأمريكي يعد أكثر المجتمعات الغربية تدينا، وإذا كان جورج بوش أحد أكثر الرؤساء استشهادا بالنصوص الدينية لتبرير الكثير من موافقه، فإن الرئيس أوباما، والمعروف بأنه غير متدين على الإطلاق، هو أول من أسس مجلسا استشاريا لشئون الأديان في البيت الأبيض، كما أنه يحرص على الظهور في كنيسة مجاورة للبيت الأبيض في الكثير من أيام الأحد، وهذا ما فعله ترامب عندما ذهب إلى الكنيسة ورفع الانجيل، وتسابق رجال الدين الأمريكيون في الصلاة له لدعمه وتأييده.

ولعب المال دورا كبيرا في تأسيس أمريكا مختلطا في جمعه بالجشع والاحتيال، حتى أن آل روتشيلد وهي من أكبر العائلات الثرية في أمريكا بل في العالم، قامت على أساس سرقة المال من القراصنة الذين كانوا يترصدون للسفن في المحيط، وقد حقق مالكو العديد من البنوك الأمريكية البارزة، بما فيها جي.بي.مورجان وواكوفيا ثروات من العبودية، وقد اعترف بنك جي.بي.مورجان مؤخَّرًا بقبوله 13,000 فردًا مستعبدًا تقريبا باعتبارهم ضمانة إضافية على القروض واستحوذوا على 1,250 فردًا مستعبدًا تقريبا.

وفي عام 1906 كتب الاقتصادي الألماني فيرنر سومبارت: أمريكا هي بمثابة أرض كنعان للرأسمالية، إنها الأرض الموعودة للرأسمالية، أما المؤرخ الاقتصادي الأمريكي وليام ان باركر فيقول: هنا في أمريكا، وجدت الرأسمالية الأمريكية التعبير الكامل وغير الخاضع للرقابة.

لقد أسس الأمريكيون نظرية أنا أملك إذن أنا موجود، هذا هو نموذج الفردانية التملكية فما يمتلكه الرجل من مال ومُلكية هو ما يُحدد حريته، فالشخص لا يمكن أن يتصور وجوده بصرف النظر عن فكرة الحيازة والتملك أو السعي وراءها، فالملكية إذن هي جوهر الذات، فالشخص لا يكون نفسه إلا بما يمتلكه؛ وكتب الأديب الأمريكي تونيس حول ذلك الأمر: يجب أن تتصرف إلى أقصى حد ممكن كتاجر مع الآخرين وكطبيب مع نفسك.

وهذه القوة الغاشمة مع الروح الصليبية والجشع ناحية المال شكلت النفسية والعقلية الأمريكية، فهذه التوليفة ظلت مصاحبة لأمريكا منذ نشأتها، ولكن رؤساء هذا البلد كانوا لا يريدون اظهارها ويلبسون أقنعة لكي يمارسوا بدون لوم هذه التوليفة في سياستهم، وكل ما فعله ترامب أن أخرجها للعلن واستقطب بها ما يقرب من نصف الشعب الامريكي وخاصة الجنس الابيض البروستانتي ومن يقلدهم من الاقليات الأخرى، والآن بسقوط ترامب المتوقع ونجاح بايدن، عادت امريكا لتلبس القناع لتمارس خلطة ممارسة البلطجة والدين ونهب المال ولكن في الظل وبطريقة ناعمة.