منذ تصاعد أزمة إقليم ناجورنو كاراباخ بين جمهورية أذربيجان وجمهورية أرمينيا في بداية التسعينات منذ القرن الماضي، والتي تحولت إلى حرب بينهما دامت ثلاث سنوات انتصرت فيها أرمينيا ونجحت في فصل الإقليم عن أذربيجان، كان الدعم الإيراني والمؤيد للأرمن في مواجهة أذربيجان تأثيرا حاسما.

وقد تم تفسير الموقف الإيراني حينها لعدة عوامل:

أولا/ ارتباط إيراني بالموقف الروسي الداعم لأرمينيا.

ثانيا/ الخلافات بين إيران وتركيا في بعض ملفات المنطقة ورغبتها بتقليص الدور التركي في المنطقة.

ثالثا/ فتور العلاقات بين إيران أذربيجان التي فضلت التوجه نحو الغرب والحفاظ على النظام العلماني وإقامة علاقات مع إسرائيل.

ولكن هل تغير الموقف الإيراني الآن في الحرب الأخيرة والتي تجري بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناجورنو كاراباخ؟

فاجأت إيران العالم بموقف جديد في هذا النزاع، حين خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده في بيان ألقاه يوم الخامس من أكتوبر الجاري يقول فيه: أنه يجب احترام وحدة أراضي أذربيجان، بل دعا البيان إلى إنهاء أرمينيا احتلال إقليم كارا باخ، مشيرا إلى أن إيران لديها خطة مفصلة لحل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان وهي مستعدة لمناقشتها مع طرفي النزاع.

بل تطور الموقف الإيراني أبعد من ذلك، ففي اليوم التالي ذهب علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي للشؤون الخارجية إلى أبعد مما قاله بيان الخارجية الإيرانية حيث دعا أرمينيا للعودة إلى الحدود المعترف بها دوليا، مؤكدا أن بلاده تقف ضد احتلال الأراضي الأذرية بنفس القدر الذي ترفض فيه الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

ولكي تستطيع أن يكون لإيران دور فاعل في النزاع وأن تظهر بمظهر قوة إقليمية فكان يجب عليها إعادة لتعريف دورها، بأن تقوم بدور الوساطة بين الطرفين المتحاربين، ومحاولة اتخاذ مواقف مطمئنة لأذربيجان، والوقوف من الجميع على مسافة واحدة.

والسؤال المطروح الآن هو، ما هي الدوافع الإيرانية الجديدة وما أسباب ذلك التغير؟

أولى هذه الدوافع هو محاولة إيجاد موطئ قدم لإيران في القوقاز، لأنه يعتبر عمق وامتداد استراتيجي للحدود التي تبسط عليها إيران نفوذها، فحماية الأمن القومي الإيراني يستلزم جعل هذه المنطقة آمنة، واخضاعها للنفوذ الغير مباشر لإيران، والذي تأثرت شعبيته بالدعم الإيراني السابق لأرمينيا في نزاعها المسلح الماضي مع أذربيجان، حيث يشكل المسلمون أغلبية ساحقة في القوقاز ويرون في أرمينيا دولة متعصبة للمسيحية وتهديد لهويتهم.

ثاني دوافع إيران في الظهور بالموقف المتوازن والحيادي في النزاع، فهو التمدد التركي في المنطقة والذي بات يقلق نظام الآيات في طهران فكان لابد من وقفه ومناكفته في القوقاز، وخاصة بعد تمدد هذا الدور في سوريا وشمال العراق وليبيا وفلسطين وأفريقيا وباكستان، وأصبح النفوذ التركي يلقى تعاطفا متزايدا وشعبية في جماهير السنة والتي ترغب في وقف المد الشيعي في المنطقة، بعد أن تمدد النفوذ الإيراني وأصبح يتحكم في حواضر أهل السنة في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، ومما يساهم في زيادة النفوذ التركي في هذه المنطقة بالذات أن معظم الناس في منطقتي آسيا الوسطى والقوقاز ينتمون إلى أصول تركية ، فكل من سكان هذه المناطق والدولة التركية يعتبران أنهما جزء من منظومة متجانسة ذات أصول تنتمي إلى قومية واحدة، فهناك مخاوف إيرانية حقيقية من نشوء حزام تركي محيط بها.

كذلك أرادت إيران من تدخلها المتوازن بين الطرفين، أخذ أوراق في تحالفها مع الروس والذي يسهد نزاعا خفيا، فروسيا وإيران موجودان في سوريا، وبينهما شد وجذب وصراع على النفوذ فيها، فكان لابد لإيران ورقة تناكف فيها الروس لكي يسلموا بدور لها متزايد في سوريا.

وهناك دافع داخلي يتمثل في وجود الأقلية الآذرية في إيران، والتي يبلغ تعدادها ما يقرب من عشرين مليونا وربما أكثر منذ ذلك، والذين يتعاطفون بلا شك مع إخوانهم في أذربيجان، وقد طالبت المقاطعات الإيرانية الناطقة باللغة الأذرية في شمال غرب البلاد، في بيان مشترك يوم الأربعاء 30 سبتمبر الماضي بلادهم بـالاعتراف بحق أذربيجان في استعادة منطقة كارا باخ بناء على قرار مجلس الأمن الدولي، ووقف الاشتباكات ووجوب إعادة قره باغ إلى موطنها الأصلي أذربيجان، وفي نفس الوقت أصدر 42 نائبا (من أصل 290) بالبرلمان الإيراني في المقاطعات الشمالية الغربية، بيانا أكدوا فيه دعمهم لأذربيجان، وقال البيان إنه وفقا للوثائق التاريخية، فإن منطقة قره باغ جزء من العالم الإسلامي، وإيران وسط الحصار الأمريكي لها الان تحرص على تهدئة المشاعر الداخلية لتبدو متماسكة داخليا في صراعها مع أمريكا، والتي تريد تقليص نفوذها ووقف تمددها.

ولكن لا ننسى أيضا العامل الاقتصادي، فأذربيجان دولة غنية بالغاز والنفط، وهي بذلك تتنافس مع كل من روسيا وإيران لأنها تغطي معظم احتياجات السوق التركية الآن وقد تغطي في المستقبل الاحتياجات الأوروبية، وهذا يقلق إيران التي تصدر الغاز والنفط إلى كل من تركيا وأوروبا، أما أرمينيا فهي دولة تعتمد في نفطها على إيران، وفي المقابل فإن إيران تعتمد على أرمينيا كمعبر في نقل الغاز والنفط الإيراني إلى أوروبا.

ولكن وجود حالة عداء بين أذربيجان وإيران يقلل من فرص إيران في تصدير نفطها وغازها، أما التعاون فيفسح مجالا لاقتسام كعكة الطاقة بين البلدين.

ولكن ما هو تأثير الهوية الشيعية لأذربيجان على الدوافع الإيرانية؟

هناك اختلاف كبير في الأرقام التي تحدد نسبة الشيعة والسنة في اجمالي عدد السكان، فبينما نسبتهما مجتمعة تتعدى 97% من اجمالي عدد السكان، إلا أن عند تحديد نسبة كل طائفة تختلف المصادر كثيرا، ففي حين تقدر مصادر أن نسبة الشيعة 55 % والسنة 45 % من اجمالي عدد المسلمين، ترتفع مصادر أخرى بنسبة الشيعة إلى 80 % من اجمالي عدد مسلمي أذربيجان، ولكن في جميع الأحوال فإن الشيعة يمثلون غالبية السكان.

ولكن الانتماء سواء للشيعة أو السنة لا يجد اهتماما كبيرا لدى النظام السياسي الأذربيجاني الحريص على الطابع العلماني للدولة حتى أنه يجهر بهذه العلمانية في الدستور، وهذا ما تنفرد به أذربيجان عن أي دولة إسلامية، ولكن بما أن سكان جمهورية أذربيجان ينتمون إلى القومية التركية، حيث أن معظم الدول التي نشأت حديثاً إثر الحرب العالمية الأولى والثانية تم تشكيلها على أساس قومي وليس ديني، فإن القومية تأخذ المكانة المسموح بها أن يتلف عليها الناس فتقوم الدولة بقمع من يظهر الانتماء الديني، ولذلك نجد أن القومية التركية وليس الطائفية الشيعية أو حتى السنية هي الساحة التي يستطيع بها المسلمون التنفيس عن هويتهم، خاصة أنهم يعتبرون أن الجمهورية التركية هي حاضنتهم وسندهم في الدفاع عن بلادهم ضد الأطماع الإيرانية والروسية، ولذلك فهم أقرب إلى تركيا منهم إلى إيران.

أما الإيرانيون فإنهم لا ينظرون كذلك إلى المواطنين في جمهورية أذربيجان على أنهم شيعة موالون لأهل البيت بزعمهم، بنفس الطريقة التي ينظرون إليها على سبيل المثال إلى بعض الشيعة الموالين لهم في لبنان والعراق والبحرين، بالرغم من استماتة إيران في تشجيع الشيعة في أذربيجان على المجاهرة بهويتهم.

ولكن الخطير في هذا الصراع الإيراني الأذربيجاني، أن تتجه الحكومة في أذربيجان إلى التخلي عن العلمانية والإعلان عن تمسكها الرسمي بعقيدة أهل السنة والجماعة بعيدا عن الرافضة، وفي هذا الصدد يشير المحلل الأذري علي عباسوف، من موقع صوت القوقاز إلى أن مثل هذا التحول قد يحدث بسبب التوترات بين الدول الإسلامية السنية وإيران الشيعية، ورغبة أذربيجان في تفضيل تركيا وكازاخستان على إيران.

وأعتقد أن هذا التهديد الصادر من أذربيجان بالتحول إلى السنة، قد ألهب المخاوف الإيرانية من أذربيجان وربما دفعها إلى عدم مساندة أرمينيا وتكثيف جهود الوساطة لوقف الحرب الدائرة.