"وعلى وجه العموم، فإنه يمكن القول بأن المسيحيين احتفظوا بمعظم أملاكهم، بل لقد أصبح لهم الحق في التصرف فيها بالبيع، وهو حق كان محرما عليهم أيام القوط، غير أن الحكومة فرضت عليهم دفع جزية سنوية قدرها 48 درهما عن الغني، 24 عن المتوسط، 12 درهما عن العامل... إضافة إلى ذلك أنه كان مفروضا على الملاك دفع " الخراج "، وهو ضريبة تجبى عن المحصول طبقا لطبيعة أرض كل كورة، وكان متوسطها في العادة 20%، ووضعت الجزية عمن يسلمون، أما الخراج فيستمر رغم إسلام المالك".

هذا ما قاله المستشرق الشهير رينهرت دوزي (1820-1883) الهولندي الأصل، الفرنسي الجنسية والثقافة، والمتخصص في تاريخ الأندلس، في الجزء الأول من كتابه (تاريخ المسلمين في إسبانية) في سياق حديثه عن النتائج التي ترتبت على الفتح الإسلامي لإسبانيا، وقسمة أرضها وتحديد خراجها.

وذلك الكلام غير صحيح على إطلاقه، فقوله: "بأن المسيحيين احتفظوا بمعظم أملاكهم، بل لقد أصبح لهم الحق في التصرف فيها بالبيع"، فيه نظر، وهو لا يتمشى ولا يستقيم مع قوله: " أما الخراج فيستمر رغم إسلام المالك".

فعبارته الأخيرة تنطبق فقط على الأرض التي فُتحت عنوة وتركت بيد أصحابها كي يزرعوها على أن يكون الحاصل بينهم وبين المسلمين، ولا تنطبق على الأرض التي يتكلم عنها أساسا، وهي الأرض التي احتفظ أصحابها النصارى بملكيتها، أي أرض الصلح، فهذه الأرض يسقط خراجها بإسلام صاحبها، لأنه في معنى الجزية، وتتحول أرضه، بالتالي، إلى أرض عشرية، وهذه سياسة سار عليها المسلمون الفاتحون في معاملة الأراضي في كل مصر فتحوه، ولم تكن الأندلس استثناء من ذلك. وهذا ما تشير إليه بعض المصادر العربية، إذ يقول المؤرخ والإخباري الأندلسي الشهير، أحمد الرازي (344هـ/955م): "وكان العرب من البلديين يؤدون العُشر، مع سائر أهل البلد".

وهذا القول يدحض قول دوزي السابق: " أما الخراج فيستمر رغم إسلام المالك"، فلو أن من أسلم من نصارى أهل البلد، استمر يدفع الخراج، بعد إسلامه، لما كان هناك أحد منهم يدفع العشرـ

وقول الرازي: "من العرب البلديين"، يقصد به العرب الذين قاموا بالفتح مع طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة 92هـ، 93هـ، واستقروا في البلاد مبكرا، وصاروا يعتبرون أنفسهم أهلها. وسموا بهذا الاسم تمييزا لهم عن العرب الشاميين الذين دخلوا فيما بعد، وتحديدا سنة 125هـ، تحت قيادة بلج بن بشر القشيري.

والحديث عن وجود ازدواجية لدى حكومة قرطبة الإسلامية في التعامل بهذا الخصوص، بين المسلم العربي والبربري من جهة، والمسلم من أهل البلاد من جهة أخرى، محض هراء، وهو رأي لا أساس له من الصحة.       

ولو أن هذا الخطأ الفادح الذي وقع فيه المستشرق الكبير دوزي، كان ناجما عن الخلط بين أحكام الأراضي التي فُتحت صلحا، وأحكام الأراضي التي فُتحت عنوة، لهان الأمر، ولكنه خطأ ناجم عن اعتقاد دوزي، بأن الحكومة الإسلامية في الأندلس، ولأنها عربية الأصل، كانت تميز في سياستها عن عمد، بين المسلمين الفاتحين من العرب والبربر، والمسلمين الجدد من أهل البلاد الأصليين، وأنها بموجب هذه السياسية كانت تُجيز كل شيء حيال سكان البلاد الأصليين، ومن ذلك إلزامهم بالاستمرار في دفع الخراج عن أرضهم التي صولحوا عليها والتي ظلت ملكيتها بأيديهم، حتى بعد اعتناقهم للإسلام، وعدم تحويل هذه الأرض إلى أرض عشرية، وفقا لما جرى عليه العرف الإسلامي. وكتابه المذكور يحفل بألوان كثيرة من هذا التمييز.

فدوزي أفترض بأن ملكية الأراضي التي كانت بحوزة النصارى الذين يدخلون في الإسلام، بأيديهم، أي أنهم صالحوا عليها وقت الفتح، والحال أن أكثر الأراضي التي كانت بأيدي أهل البلاد الأصليين لم تكن كلها أرض صلح، إنما كان العكس هو الصحيح، وهو أن أكثرها كان أرض عنوة، ولكنها تركت بأيديهم ليزرعوها مقابل حصة من الخراج، كما فعل عمر بن الخطاب في معاملة أرض السواد، وهذا ربما ما لم ينتبه إليه دوزي.

وفي جواب القاضي عياض (-554هـ/1149)، قاضي المرابطين بسبتة والأندلس على إحدى مسائل أحباس النصارى في الأندلس، شاهد اخر على ذلك، فهو يشير إلى:" أن الفقهاء أصحاب التاريخ والخبر يذكرون أن الأندلس منها عنوة ومنها صلح، وأكثر أموال هؤلاء المعاهدين، إنما هي فيما ذُكر أنه كان عنوة".

ومعلوم تماما أن هذه الأراضي لا يحق لهم التصرف فيها بالبيع أو الهبة، لأنها أساسا مملوكة لبيت مال المسلمين، وهي تظل أرضا خراجية، حتى إذا أسلم، الذين كانت بأيديهم.

ولأن دوزي كان مستشرقا طائر الصيت، ولأنه "يُعتبر، كما قال الأمير شكيب أرسلان، أوثق أوروبي كتب عن الأندلس". فقد تبعه في هذا الخطأ عدد من المستشرقين والمؤرخين الغربيين والعرب، الذين جاءوا بعده، ولم يتطرق أحد لهذا الخطأ، ولا لمحاولة تصحيحه- في حدود علمي المتواضع المحدود -. بل إن بعضهم ولكونه لم يجد لهذا شبيها في باقي ولايات الدولة الإسلامية، اعتبرها حالة خاصة بالأندلس، وفي هذا يقول الباحث الأكاديمي الأسباني بدرو شلميطا متحدثا عن النظام الضريبي في الأندلس:

"كان الأندلس بلدا إسلاميا "تقليديا" من ناحية الضرائب المالية، أي أن المدفوعات كانت تقدر حسب معطيات الشريعة، فهناك ضريبة على الفرد المسلم تدعى العُشر، وأخرى - مختلفة - يدفعها غير المسلم " المحمي" المعروف بالذمي، وتنقسم هذه الأخيرة إلى جزية وإلى ضريبة عقارية: الخراج".

ويمضي شلميطا متحدثا عن أنواع المدفوعات الضريبية وتسمياتها وطرق جبايتها حتى يصل إلى القول:

"وتصبح خارطة الضرائب المالية في الأندلس على الشكل التالي: (أ) لا يدفع العربي المسلم إلا الزكاة / العشر، عشر إنتاجه. (ب) على الذمي أن يدفع الخراج الذي يقدر تبعا للمساحة القابلة للزراعة وأن يدفع الجزية. (ج) يتوقف الداخل في دين الإسلام عن دفع الجزية، ولكنه في الأندلس يتابع دفعه للضريبة، تبعا لمساحة الأرض القابلة للزراعة، ضريبة تدعى الطبل وتساوي مبلغ الخراج القديم".

فواضح تماما أن هذا الباحث يكرر ما قاله دوزي، بشأن استمرار من يسلم من نصارى أهل البلاد الأصليين في دفع الخراج عن أرضه، مع كونه يعتبر هذا حالة خاصة بالأندلس، وتأملوا قوله: " ولكنه في الأندلس يتابع دفعه للضريبة "، أي الخراج، والذي تغير اسمه فصار يسمى "الطبل".

ومن هذا وغيره نفهم أن لدى المستشرقين والمؤرخين الأسبان والغربيين، فكرة خاطئة عن سياسة المسلمين الضريبية في الأندلس، ولهذا وجب التصحيح، أو على الأقل تنبيه الباحثين المتخصصين لهذا الخطأ، ونسأل الله أن نكون قد وفقنا في ذلك.