"حزب الله مكون سياسي يمتلك الحق في أن يكون في السلطة"

هذا تصريح للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قاله عقب زيارته الى لبنان التي جاءت فور تفجيرات بيروت، حاول فيها ماكرون اظهار التأثر والتعاطف ومؤازرة الشعب اللبناني على الضحايا الذين سقطوا في التفجيرات، التي تشير أغلب المؤشرات على أن حزب الله المتسبب الأول خاصة أنه كان للحزب السيطرة الفعلية على مرفأ بيروت.

وبهذه التصريحات التي يعلنها ماكرون والمتعاطفة مع هذا الحزب الذي يعتبر ذراع إيران في لبنان، يستمر رئيس فرنسا في إطلاق الأقوال المثيرة التي تعبر عن التعاطف والتأييد لإيران والعداء لأهل السنة، فقبلها في قمة الصحراء التي التأمت في العاصمة الموريتانية نواكشوط، والتي عقدت في شهر يونيو الماضي، تحدث ماكرون عن الإرهاب السني، وبعدها صرح وزير داخليته جيرالد دارمانين بنفس الألفاظ تقريبا حين قال: إن الإرهاب السني أكبر خطر يهدد البلاد أمنيا.

والملاحظ أن حديث ماكرون الذي كان يركز على الإرهاب الإسلامي طيلة السنتين الماضيتين، أصبح يدقق أكثر ويستخدم مصطلح السني بدلا من الإسلامي.

ولا يقتصر الأمر على تصريحات الود تجاه إيران بل سبقتها الأفعال، ففي جلسة التصويت على مد حظر السلاح على إيران الذي أجراه مجلس الأمن الدولي على المسعى الأميركي بعد ثلاثة أيام من الانفجار، حيث رفضت الصين وروسيا المقترح وامتنعت احدى عشرة دولة عن التصويت من بينها فرنسا، التي لم تؤيد تمديد الحظر، وهذا الذي جعل بعض المراقبين يرجح أن زيارة ماكرون تشتري وقتا لإيران وحزب الله تحتاجه طهران بقوة بسبب العقوبات الأمريكية، وفي ظل اختناق أصاب ذراعها القوية في لبنان بفعل الانهيار الاقتصادي والمالي، وهذا ما قابله حزب الله بتجاوب كبير وانفتاحه على مبادرة الرئيس الفرنسي، واستعداده للتعاطي بإيجابية معها.

وهنا يكمن السؤال لماذا تسعى فرنسا إلى التقارب مع إيران وبالطبع مع أذرعها؟

وللإجابة على هذا السؤال يجب تتبع تاريخ العلاقة الإيرانية الفرنسية والتنافس الدولي الحالي. تاريخ العلاقات الإيرانية الفرنسية:

بالاطلاع على تاريخ العلاقة بين فرنسا والجمهورية التي نشأت في إيران في أعقاب الثورة التي كان يقودها الآيات بين عامي 1978 و1979، نجد أن فرنسا قد احتضنت ثورة إيران منذ بداياتها، عندما كان شارع نوفل لوشاتو في باريس هو مقر اقامة الخميني الذي كان يقود الثورة من داخل هذا المقر، ويستقبل المبعوثين الأجانب وينسق مع قادة الحراك في الخارج الذين ينقلون تعليماته إلى الداخل الايراني، كل هذا وسط تعاون المخابرات الفرنسية وتحت أعينها، وكوفاء لهذا التعاون فإنهم في إيران أطلقوا على الشارع الذي تستقر فيه السفارة الفرنسية في طهران الاسم نفسه أي شارع نوفل لوشاتو.

ولكن ظلت هذه العلاقات محكومة بعلاقات فرنسا مع الولايات المتحدة طيلة أيام الحرب الباردة وما بعدها، حيث ظلت فرنسا قناة اتصال سرية بين الإيرانيين والأمريكان، وعبرها ومع غيرها كان يتم تمرير الصفقات الشيطانية بين نظام الآيات والغرب.

التنافس الدولي

في أعقاب وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض الأمريكي تغيرت التحالفات في المنطقة، فالرئيس أوباما الذي سبقه كان قد بدأ خطة انسحاب عسكرية من الشرق الأوسط، بعد التكلفة والخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، واعتمد على إدارة المصالح الأمريكية في المنطقة عن طريق وكلاء لأمريكا، وكان يجهز إيران لتلك المهمة بعد إعادة تأهيلها مرة أخرى وادخالها في المجتمع الدولي، بإبرام اتفاق نووي وحث دول أوروبا على إعادة العلاقات أو تحسينها مع طهران.

ولكن مجيء ترامب لسدة الرئاسة الأمريكية أفسد هذه الترتيبات، حيث جاء بمستشارين يرون في إيران قوة إقليمية تتجاوز الدور المنوط بها وهي الحيلولة دون صعود أي قوة سنية، ولكن تجاوزت دورها ليكون دورا مكافئا لإسرائيل، وربما يتجاوز الطموح الايراني ليهدف أن يكون قوة عالمية، وهو يجب ألا تسمح به الولايات المتحدة التي تريد الهيمنة والتفرد بالزعامة العالمية، وتحطيم أو الحد من نفوذ أي قوة تحاول ولو مستقبليا أخذ هذه المكانة منها. 

وترافق سعي ترامب لتحجيم إيران مع سعيه لتحجيم الصين وأوروبا، فعملت هذه الدول على عرقلة جهود ترامب تلك، خاصة أن الموقف الأمريكي يلحق الضرر بالدول الأوروبية كلها، لأنه يمنعها من الاستثمار المربح في السوق الإيرانية.

وبدأت أوروبا والتي تقودها فرنسا وألمانيا برفض الخروج من المعاهدة النووية مع إيران، ولم تكتف أوروبا وخاصة الدول الثلاث الأعضاء في اتفاق 5+1 وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا برفض انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018 بل عارضت السلسلة الأشد من العقوبات الأمريكية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب في 4 نوفمبر 2018، وفي خطوة متقدمة اتخذت هذه الدول آليتين لمساعدة إيران:

1- آلية أنستكس، وهي آلية دعم المبادلات التجارية بين أوروبا وإيران، حيث تهدف هذه الآلية قيام إيران بتسليم النفط أو منتجات أخرى إلى أوروبا، وبدلاً من دفع الأموال إلى البنوك الإيرانية ستذهب الأموال إلى الشركات الأوروبية التي تبيع الدواء أو الغذاء إلى إيران، وأفشلت إيران هذه الآلية برفضها وقف تمويل مليشياتها في المنطقة، خاصة حزب الله والحوثي ومليشيا الحشد الشعبي في العراق باعتبار أن هذه المليشيات خاصة حزب الله موجود على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية.

 ورغم التشكيك الدائم من جانب إيران خاصة من جانب المرشد على خامنئي في صدق وحسن نوايا الأوروبيين، فإن الدول الأوروبية الثلاث حاولت بكل ما تملك أن تخفف من ضغوط العقوبات الاقتصادية على إيران.

2- المقترحات الفرنسية التي قدمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات قمة الدول الصناعية السبع الكبرى  والتي عقدت 25 أغسطس 2019 عندما استضاف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في القمة، واقترح ماكرون تمويلا بـخمسة عشر مليار دولار للاقتصاد الإيراني مقابل توقف إيران عن دعم مليشياتها في المنطقة، وبدء حوار يقوم على وقف برنامجها النووي والصاروخي، ووقف تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، وفشل هذا المقترح أيضاً لرفض إيران التخلي عن برنامجها الصاروخي ومليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وبالرغم من الرفض الإيراني الدائم لتلك الآليتين، بدا الموقف الأوروبي منحازا لإيران حيث لم تتهم الدول الأوروبية الثلاث صراحة الحكومة الإيرانية بالوقوف وراء الهجمات الخطيرة التي شهدتها منطقة الخليج قبالة ميناء الفجيرة في 12 مايو 2019، وبعدها التحرش الإيراني بالسفن التجارية في 13 يونيو 2019، وتعاملت بريطانيا والدول الأوروبية باسترخاء وهدوء مع خطف السفينة البريطانية ستينا إمبيرو رداً على احتجاز سلطات حكومة جبل طارق سفينة إيرانية خرقت الحظر المفروض على بيع النفط للحكومة السورية، وأكثر من ذلك بل إن الدول الأوروبية لم تهتم مطلقا أو تعلق على التحايل الإيراني على العقوبات الدولية مثل بيع إيران للنفط مقابل الذهب، وحصول إيران على المليارات من صفقات شملت السجاد والفستق والبتروكيماويات، واستطاعت إيران من خلال تلك الصفقات جني خلال آخر 9 شهور من 2018 أكثر من 10 مليارات دولار.

وفي المقابل أغضب ذلك الموقف إدارة ترامب، فعمل على تحدي أوروبا في عدة مواقف، مثل سحب القوات الأمريكية من القاعدة الأمريكية في ألمانيا، واثبات عجز أوروبا عن التصرف في أزمة شرق المتوسط بين اليونان وتركيا، بدفع تركيا إلى أخذ مواقف متحدية لأوروبا والتي تساند اليونان، والأخطر من ذلك تهديد ترامب بفرض رسوم بنسبة 100% على سلع فرنسية بقيمة 2.4 مليار دولار، من بينها الأجبان والنبيذ والطائرات، كما هدد بفرض رسوم على صناعة السيارات الأوروبية وتحديداً السيارات الألمانية.  

وبذلك يتضح أن أوروبا بزعامة فرنسية ألمانية تحاول مقاومة التحدي الذي تعلنه إدارة ترامب بتعزيز علاقتها بإيران.