هاهو العام الاول يكتمل منذ تسنّم رئيس الوزراء السوداني عبدالله آدم حمدوك وطاقمه لمهام الحكم في الخرطوم، ولا جديد في شأن المشكلات التي انهارت على إثرها حكومة الرئيس السابق عمر البشير، فلا تزال الأزمة الاقتصادية الخانقة تُحكم قبضتها على الشارع السوداني بوتيرة متسارعة وغلاء الأسعار يفرض سطوته بلا رقابة والعملة المحلية تفقد قيمتها امام العملات الاخرى كل صباح جديد حتى شارف الدولار حاجز ال200 جنيه سوداني بعد أن كان في حدود ال50 جنيها غداة الثورة على حكم البشير الذي رفضه الشارع بالاعتصام الشهير في محيط قيادة الجيش، ولا تزال حكومة حمدوك عاجزة حيال تفكيك غلاء الأسعار وارتفاع الدولار وهي من اكبر تحديات الحكومة الانتقالية.

هنالك أزمات إجتماعية استولدتها بطبيعة الحال الأزمة الاقتصادية، أما أخطر ما يمكن أن تواجهه الحكومة الانتقالية في الخرطوم فهو محاذير الإنفجار الأمني وهنالك استقطاب حاد الآن في الخرطوم بين المجموعات السياسية والدينية بحدة لم تكن مألوفة في التاريخ السياسي السوداني، واستقطابات حادة كذلك بين المجموعات الإثنية ومنها ما رأيناه في كسلا وحلفا ودارفور، وارتفاع نبرة قضايا الهامش ومشاركتهم في الحكم. كلها وغيرها تحديات تقف أمام حكومة حمدوك ولذلك أطاح بعدد من وزرائه قبل عامه الاول في سبيل البحث عن حلول لا تزال عصية المنال.

الشاهد أنّ الحكومة الحالية رفعت سقف التوقعات قبل مجيئها حيث كان ينتظرها السودانيون مثل (سوبر مان) لانتشالهم من عنق الزجاجة التي أدخلتهم فيها عنتريات الحكومة السابقة عبر السنوات إلى آفاق أرحب موعودة بالرفاه والوفرة وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وفي تقديري أنّ فجوة التوقعات هذه هي أكبر تحديات الحكومة الانتقالية الحالية.

ومع تعقيدات الوضع الاقتصاد والاجتماعي والسياسي في الساحة السودانية لا تزال الحكومة بكافة مكوناتها تستغرقها التفاصيل غير المُنتِجة فرغم تطاول الشهور لا يزال وزراء الحكومة ينفقون اوقاتهم في التغييرات الهيكلية الوظيفية وتبديلات المناصب، إحلال وإبدال فيما لا طائل من ورائه وليست هذه القضية المحورية، القضية المحورية في كيفية التفكير خارج الصندوق، الشعب السوداني ينتظر من حكومة حمدوك تفكير خارج الصندوق يقفز به من أزماته الآنية صحيح لن يحدث هذا التغيير بين ليلة وضحاها ولكن ليس ثمة ما يشير لبوادر حدوث هذه الإنطلاقة المأمولة بعد عام كامل من تولي حمدوك زمام الامور وهو كذلك تحدي في وجه الحكومة بكاملها في تدوير محركات البلاد المتعطلة.

رئيس الوزراء يدير أزمات البلاد بشئ من (رزق اليوم باليوم) وليس وفق تخطيط بعيد الأمد ولا يزال حتى اليوم أسير القرارات الإدارية ولم يصدر قرارات جوهرية مثل ما يتعلق بالاقتصاد الكلي الذي يمكن الاستفادة فيه من بعض الميزات النسبية للاقتصاد السوداني عبر تشغيلها بأنظمة البوت مثلاً (البناء والتشغيل ونقل الملكية) أو أن يستفيد من علاقاته مع المنظمات الدولية الأممية في توفير قروض عاجلة لضخ بعض الدماء في الجسد المتكلِّسْ، رغم أن مؤتمر برلين ضخّ مبالغ مقدرة للخزينة الخاوية وكذلك مؤتمر أصدقاء السودان الذي رعته العاصمة السعودية الرياض بدعم كبير.

الأزمة الاقتصادية الحالية كفيلة بإسقاط الحكومة الانتقالية إن لم تسعى حكومة حمدوك مجتمعة لابتدار حلول إسعافية عاجلة والاوضاع الأمنية المحتقنة في اكثر من جهة كذلك هي بارود تحت الرماد ينذر بالمزيد من المشكلات..

ولا ننسى الخلايا النائمة ومكونات النظام السابق التي اختفت في ظروف مريبة علاوةً على المكونات العسكرية التي لا تخلو من الموالين للنظام السابق بطبيعة الحال.

الفترة الانتقالية برمتها قصيرة بالكاد تكفي لإرساء ركائز البناء والتوافق الوطني،وهاهو حمدوك يضع قدمه في عامه الثاني تنتظره تعقيدات شاقة وشائكة في طريق ليست مفروشة بالرمال.