كنتُ لم ازلْ بعد طالباً في السنة الخامسة أوانذاك في الجامعة في قسم المحاسبة والتمويل وأحد مطلوبات التخرُّج إعداد بحث تكميلي، ناقشتُ أستاذي المشرف وقتها في السودان حول إمكانية إجراء دراسة مقارنة لعائدات البنوك وفق النظام التقليدي الذي يعتمد أسعار الفائدة كأساس للتعامل المصرفي، وعائدات البنوك التي تعمل تحت ظل النظام الإسلامي. حينها وددتُ المقارنة بين ما كان يجنيه المصرف من عائدات وهو يمارس عمله في مظلة النظام التقليدي، وعائدات ذات المصرف بعد إقرار سياسة اسلمة النظام المصرفي من ناحية أخرى في السودان مطالع التسعينيات الماضية. ولا تزال تعاودني تلك الفكرة حتى لحظة كتابة هذه السطور، للإجابة على التساؤل الحتمي هل تكتفي البنوك الإسلامية في التجربة السودانية بمحددات النظام المالي الإسلامي أم تهرب رؤوس أموالها للأنظمة التقليدية بحثاً عن المزيد من العائدات؟ وثمة تساؤل لماذا تراود البنوك الرغبة في تعاطي الاساليب القديمة (الفائدة) كما في المرابحة الصورية تماماً كما راودتْ امرأة العزيز فتاها؟!

ومن نافلة القول إنّ ثمة مشكلات تطبيقية تعتري النظام المالي الإسلامي ليس لقصور في مكونات التشريعات الكلية التي ينبني عليها النظام الإسلامي، فالتشريعات الكلية ربانية قطعية غير قابلة للأخذ والرد، لكنه بطبيعة الحال قصور بشري في التنظير واستنباط البدائل القابلة للتطبيق الموضوعي.

سادت طويلاً أحكام النظام التقليدي وأسعار الفائدة وكان ولا يزال النظام التقليدي يجد رواجاً كبيراً ، وبغض النظر عن الأحكام الدينية البديهية الحاكمة لنا كمسلمين والمتمثلة في حرمة الربا والتزام قاعدة الحلال والحرام فيما يتعلق بالمعاملات المالية لكن النظام التقليدي يتسم بالقابلية للتطبيق العملي والقبول لدى المستثمرين ابتداءً، أكثر من تلك التي تتوافر لأساليب النظام المالي الإسلامي بسبب قصور اجتهادات المسلمين في النظام المالي والاقتصاد الإسلامي عموماً وفي ذلك نلاحظ قلة المؤلفات في شأن التطبيقات المعيارية للممارسة المحاسبية التي تنطلق من بيئتنا الإسلامية، فالقضية إذن ليست أزمة نصوص بقدر ماهي أزمة إجتهاد يواكب الحداثة.

ولا أدري لماذا يرتبط الاجتهاد في الإطار المالي الإسلامي والاقتصاد الإسلامي الذي لا يزال يبحث عن تطوير نظرية اقتصادية إسلامية لا أدري لماذا يرتبط الاجتهاد هنا ولا أقول التنظير بالفقهاء المتخصصين في العلوم الشرعية دون أن يكون للمتخصصين في العلوم المالية والمحاسبية قصب السبق في ذلك وفي هذا إغفال للجوانب الفنية التطبيقية حيث إنّ الفقهاء ينظرون من جانب واحد فقط وهو المواءمة مع الأحكام الشرعية.

ومع أنّ أحكام الشريعة الإسلامية عقلانية لا تُضيِّق واسعاً، إلا أنّ الاجتهاد لا يأتي عقلانياً وموضوعياً بما يكفي. ويعجز عن الاستنباط الموضوعي للبدائل التي تواكب وتنافس النظام التقليدي وكأنهم يبحثون عن بديل كييفما اتفق، دون النظر لموضوعية هذا البديل وإمكانية تطبيقه عملياً. ولعل هذا ملاحظ في محدودية استخدامات البدائل الإسلامية مقارنة بالبدائل التقليدية في عمليات الحصول علي التمويل ، فأسعار الفائدة مثلاً تجد رواجها حتي في أوساط المسلمين دون أن يكون لنا كمسلمين بديل موضوعي منافس يُلبي حاجة المموِّلين والباحثين عن التمويل وفق الاحكام الشرعية وليس أدلّ على ذلك من محاولات الالتفاف على صيغ التمويل الإسلامية لسبب أو لآخر وفي مقدمة ذلك المرابحات الصورية التي أعيتْ من يُداويها.

وهنا أرجو أن أتلمَّسْ بشيء من الإيجاز بديلين إقترحهما الفقهاء لممارسة مالية محكومة بقواعد الشريعة بعيداً عن الربا الحرام متمثلاً ذلك في التفاضل في الربح كبديل للأسهم الممتازة، ومبدأ التعافي المتبادل في حالة الودائع الاستثمارية، فالأسهم الممتازة تستلزم عوائد ثابتة محددة سلفاً في كل الأحوال بغض النظر عن نتائج الأعمال. ولذلك وبهذا الفهم الأسهم الممتازة غير مقبولة في النظام الإسلامي لأنها تقع تحت طائلة الربا المحرم، ولذلك اقترح العلماء التفاضل في الربح ‹¹‹ وهو البديل الذي يجعل هنالك إمكانية للسهم الممتاز من منظور إسلامي وهو كما يلي: أن تقوم شركة بأسهم تُعادل 40% من رأس المال نسميها مثلاً الاسهم الخضراء وأسهم تعادل 60% من رأس المال نسميها الأسهم البيضاء مثلاً بحيث تحصل الأسهم الخضراء علي 50% من الربح والأسهم البيضاء علي 50% من الربح (لاحظ مناصفة الربح رغم تفاوت نسبة المساهمة في رأس المال) وهذا يعني أنّ أصحاب الأوراق البيضاء تفضلوا علي أصحاب الأوراق الخضراء بالتنازل لهم عن جزء من نصيبهم في الأرباح، الجزئية السابقة تتحدث عن النموذج المقترح لحل مشكلة الأسهم الممتازة من منظور شرعي، ولكن من هو هذا الكائن الملائكي الذي ينفحني جزءاً من عائداته تحت بند التفاضل في الربح؟!! ومعلوم أنّ الجميع يلهثون خلف المزيد من المال، وكثيرون يجدون صعوبة في الحصول على تمويلات من البنوك الإسلامية أيَّاً كانت، ناهيك من أن يجدوا من يتفضّل عليهم بالربح، ولذلك هو بديل لا يتسم بالموضوعية الكافية للتطبيق العملي في الواقع وتجدني أتساءل هنا هل هذا البديل معمول به في بنوكنا الإسلامية في السودان وغيره من بلداننا العربية والإسلامية أم أنه متاح فقط على الورق؟!.

وثمّة بديل آخر اقترحه الفقهاء أطلقوا عليه التعافي المتبادل²، ففي النظام التقليدي ما تودعه من ودائع جارية أو استثمارية تحصل منه علي فوائد ثابتة، وليس هنالك فوائد في النظام الإسلامي بل مشاركة في الأرباح والخسائر، لكن إذا استثمر البنك ودائع مستثمرين وعملاء وأدخلها مع أمواله لتمويل مشروع بعينه، حينها يصبح البنك شريكاً لأصحاب الودائع الاستثمارية وقد يقوم البنك بتخصيص جزء من الأرباح المحققة بواسطة المشروع ولا يقوم بتوزيعها كلها لمقابلة مخاطر قد تحدث مستقبلاً لكن إذا انتفتْ كل المخاطر فماذا نفعل بالمبالغ التي تم تخصيصها واحتجازها وكيف يتم ردها لأصحابها؟! فهي ليست ملكاً للبنك، ولأصحاب الودائع نصيب فيها بطبيعة الحال، وتبرز المشكلة هنا في أنّ أصحاب الودائع تفرّقوا أيدي سبأ ولم يعودوا في ذات مواقعهم القديمة بمرور الوقت والسنوات، ولذلك إقترح الفقهاء مبدأ التعافي المتبادل أي عفا الله عما سلف ، ولكن إذا حدث ومات أحد أصحاب الحقوق من الودائع فأين نعثر عليه لنحصل منه علي هذا التعافي المتبادل ، وهَبْ أنّ أحدهم رفض  التعافي وعاش مغبوناً ومات مغبوناً.

ومبدأ التعافي المتبادل فيه إهدار للحقوق وفيه استسهال يحول دون دقة التقديرات لهذه الاحتياطات المسبقة التي يتم حجزها قبلاً والتي قد يتم تقديرها جزافاً بأكثر مما يجب. كما فيه استسهال يحول دون إعادة توزيع وتحديد الأنصبة لكل صاحب وديعة، فما الذي يمنع حسابها وتجميعها بكل حرص ورد الأموال لأصحابها أو ورثتهم، وكما كان البنَك يحرص على استقطاب أصحاب الودائع لتنفيذ مشروعاته فليكن حريصاً أكثر على رد الأموال لأصحابها. ولذلك أقول إنّ استنباط البدائل تستلزم الرأي الفني الذي يستصحب الموضوعية والقابلية للتطبيق في الواقع العملي وليس محض تركيب تشريعات لا تصلح إلا للمجتمعات الملائكية فالأجدر حلول مالية ومحاسبية واقعية تنافس وتجد لنفسها مكاناً في الأسواق العالمية إلي جانب هذا الأخطبوط (أسعار الفائدة) الذي تسيَّد المعاملات المالية طويلاً دون أن يكون للنظام المالي الإسلامي كلمته المسموعة والمقنعة، وهو قصور تتحمله الأوساط الاكاديمية التي تُعْني بالدراسات المالية بمحددات شرعية إسلامية.

إنّه لَمِن المؤسف حقاً أن تعجز البدائل الإسلامية عن توفير ممارسة موضوعية ومعيارية شرعية تمنع هذه البنوك من معاقرة المرابحات الصورية وأخواتها في التحايل على صيغ التمويل الإسلامية حين يستبد بها النزق وتجنح بعيداً عن النظام المالي الإسلامي المأمول هذا في الجزئيات والممارسات، ولتكون البنوك الإسلامية هي أول من يعتدي في كثير من الأحايين مع سبق الإصرار والترصد علي النظام الإسلامي، ولتبرز من جديد إشكالية سيادة الإطار التقليدي الغربي وضرورة مواكبة النظام المالي الإسلامي ببدائل وحلول عملية موضوعية قابلة للتطبيق في المجتمعات البشرية وليست الملائكية، وهنا تأتي _كما أعتقد_ أهمية العنصر الفني المتخصص في العلوم المالية بحيث لا تخرج الحلول المطروحة في ظل النظام المالي الإسلامي تبحث عن التكييف الفقهي فقط أكثر من كونها مقنعة عند تجريدها من إطارها النظري وتطبيقها علي أرض الواقع العملي في اسواق المال المحلية والعالمية، بمعني أنَّه لا بد كذلك من التكييف الفني متكاملاً مع التكييف الفقهي وتلك قضية للنقاش مطروحة عن النظام المالي الإسلامي آمل في ابتدارها بهذا المقال من زاوية نظر مهنية فيما يلي تطبيقات المراجعة والتدقيق وكيفية معالجة هاتين القضيتين بكل ما فيهما من تعقيدات.

 

هوامش:

1) السياسة النقدية بين الفقه الإسلامي والاقتصاد الوضعي- وليد مصطفى شاويش- المعهد العالمي للفكر الإسلامي 2011م.

2) محاضرات ومذكرات الدكتور محمد الأمين تاج الأصفياء أستاذ العلوم المالية  عميد الدراسات العليا - جامعة الجزيرة 2013م.

3) نظرية المحاسبة في الأُطر التقليدية الغربية- دكتور محمد الأمين تاج الأصفياء- دار جامعة الجزيرة للنشر2011 السودان.