لا تزال أزمة سد النهضة تراوح مكانها، جولات التفاوض تتكرر، ثم تتمخض لتلد فشلًا بعد آخر، وفي الإطار أعلنت أثيبوبيا مؤخرًا عن اكتمال المرحلة الأولى من ملء خزان السد بشكلٍ قدريّ بفعل موسم الأمطار، زاعمةً أن ذلك قد حدث بدون قرار حكومي، وهو ما لم تعلن عنه أثيوبيا لولا أن كشفته صور الأقمار الصناعية فاضطرت أديس أبابا أن تكشف عنه بعد نفي رسمي استمر لعدة أيام، لكن بعيدًا عن كل ذلك فإن الأطراف الثلاثة "مصر ـ السودان ـ أثيوبيا" سيعودون إلى قاعات التفاوض مجددًا خلال الأيام القليلة المقبلة، فعلى أيّ جديد سيتفاوضون؟، وهل يمكن أن تصل إلى نتيجة جديدة إذا سلكت نفس المسار؟، وكيف يفكر طرف منهم لحل الأزمة والخروج بأكبر قدر من المكاسب؟

منذ وصول "آبي أحمد" إلى رئاسة الحكومة الإثيوبية في مارس 2018م، حاول الرجل أن يستغل السد لتحقيق شعبية داخلية، خصوصًا وأنه كان في مواجهة أزمات متصاعدة، منها تأجيل انتخابات محلية كانت مقررة في أغسطس الماضي مما أثار ثائرة المعارضة والأحزاب ضده، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية لجائحة فيروس كورونا المستجد على مختلف قطاعات الحياة هناك، فلجأ "آبي أحمد" إلى إطلاق حالة تعبئة شعبية واسعة عبر زيادة طموحات الإثيوبيين وكسب تأييدهم، كان الألة الإعلامية هناك تعمل ليل نهار على رسم المستقبل الوردي للبلاد بعد أن يعمّ الخير الناجم عن إنتاج الكهرباء من السد، "آبي أحمد" نفسه قال في خطاب تعبوي موجه للداخل: "أهنئ كل الشعب الإثيوبي على هذا الإنجاز، فهذا السد كان يجب أن يتحقق قبل 200 عام على الأقل، فهو الرمز والأيقونة لهذا الجيل والضوء الساطع للإثيوبيين على مدى سنوات، ونقطة تحول للإثيوبيين للتألق مرة أخرى، والقضاء على الفقر والتخلف، إذا أغلقنا الأبواب على أولئك الذين يريدون تفكيكنا، فسنحقق إنجازات كبيرة"، وهذه الصيغة هى التي دأبت إثيوبيا على تصديرها للخارج أيضا، فعادة ما تتحدث عن حقها في التنمية، دون إضرار بأحد ولا استحواذ آخرين على حقوقها.

وبالتزامن مع حالة التعبئة الشعبية تلك، كان "آبي أحمد" يعمل على إطالة أمد المفاوضات مع مصر والسودان لكسب المزيد من الوقت من أجل بناء وملء السد، وهذه استراتيجة أثيوبية بدأت بعد وضع أول حجر بالسد في 2 أبريل 2011، حين زار رئيس وزراء مصر آنذاك "عصام شرف"، والتقى نظيره الأثيوبي حينها "ميليس زيناوي" في مايو 2011، واتفقا على تشكيل لجنة ثلاثية لبحث دراسات فنية متعلقة بالسد، لكن منذ ذلك التاريخ وبعد مرور أكثر من 9 أعوام، لا تزال تلك اللجان تدور في حلقات مفرغة دون أيّ اتفاق، ولم يتحقق سوى اتفاق إعلان مبادئ في عام 2015م، وهو بحسب إثيوبيا كان مكسبًا عظيمًا لها، وعندما تولى "آبي أحمد" رئاسة الحكومة أتقن أداء هذه استراتيجية إضاعة الوقت، فالوقت كان هو العامل الأهم بالنسبة للأثيوبيين كي يكتمل بناء سدهم، وزاد "آبي أحمد" على ذلك حالة من الإرباك لعملية التفاوض، فتارةً يقبل بالرعاية الأمريكية لمسار المفاوضات من أجل التوصل لحل نهائي للأزمة ثم سرعان ما يتراجع عن ذلك، وتارةً يقبل بمشاركة البنك الدولي في المفاوضات ثم سرعان ما يرفضها، وغالب الظن أن قبول إثيوبيا برعاية الاتحاد الأفريقي للمفاوضات خلال الشهر الماضي، قد تكون مقدمة لتراجع جديد أو ربما هذا القبول قد جاء بعد أن اطمئنت إثيوبيا أنها لم تعد بحاجة لمزيد من الوقت، خاصة وأن الملء الأول للسد قد اكتمل، وخطاب الخارجية المصرية كان أكثر وضوحًا في هذا الصدد، حين اتهمت الجانب الإثيوبي بالمماطلة وإطالة أمد المفاوضات لكسب الوقت.

بالإضافة إلى ذلك فقد اعتمد "آبي أحمد" على إرباك الخارج واستفزازه بالتلويح العسكري دفاعًا عن السد مهما كلّف الأمر، ومثل هذه التصريحات كانت تخلق حالة من الجدل والشد والجذب، ومن شأنها أن تمنحه مزيدًا من الوقت بالتوازي مع لفت نظر الأطراف الأخرى عن جوهر المشكلة الحقيقية، استمر ذلك إلى أن ربحت إثيوبيا أول جولة في معركة سد النهضة حين نجحت في الملء الأوليّ لخزانه، وغرد وزير خارجيتها "جيدو أندارجاشو" عبر توتير قائلًا: "سابقًا كان النيل يتدفق، والآن أصبح بحيرة إثيوبية، ومنها ستحصل إثيوبيا على تنميتها المنشودة، في الحقيقة النيل لنا"، كانت الرواية التي برّر بها الإثيوبيون ما حدث مفادها أن موسم الأمطار هو صاحب قرار الملء، وليس الحكومة، لكن هذا خاطئ وغير مبرر، إذ كان بإمكانها فتح بوابات الخزان لمرور المياه الزائدة التي ملأت المرحلة الأولى.

مصر ـ وعلى ما يبدو ـ أنها تجاوزت صدمة كون السد قد بات أمرًا واقعًا، وأيقنت تماما أن زمن الحلول العسكرية قد انتهى، وأن الحل المتاح أمامها الآن هو مسار المفاوضات فقط، مفاوضات على طريقة وكيفية ملء السد وبالتبعية تقليل الآثار السلبية على حصة مصر المائية، لجأت إلى حليفتها واشنطن، لكن الجانب الإثيوبي أفسد خطتها، لجأت إلى مجلس الأمن الذي لم ينصفها وأحال الأمر إلى الاتحاد الأفريقي الذي كان قد تولى الوساطة في هذا الشأن، الآن تريد مصر أن تصل إلى اتفاق قانوني شامل يقلل أي خسائر متوقعة لحصتها المائية البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، كما أنها تبحث عن حقوق استخدام النيل عبر استراتيجية جديدة تمنح التنمية للجميع. أما السودان من جهته ينتظر نتائج المفاوضات، يشارك فيها ولكن يحاول الحفاظ على تموضعه بين القاهرة وأديس أبابا، هى مشاركة أقرب ما يكون إلى دور الوسيط المحايد، أو ربما من ينتظر جني المكاسب من كلا الطرفين دون أن يخسر أحدهما، وهذه في حد ذاتها سياسة ناجحة، خاصة في الوقت الراهن، كون السودان منهمك في داخل مليء بالتحديات منذ الإطاحة بحكم عمر البشير في أبريل 2019م.

الوضع الراهن يشير إلى أن جميع الأطراف قد لجأت إلى استراتيجية واحدة وهى الهروب إلى الأمام، لعل في ذلك ما يصلح أخطاء الفترة الماضية أثناء التفاوض أو ما قبله، فالجميع بات يؤمن بأن الرجوع إلى الخلف بات أمرًا مستحيلًا، كون الأمر الواقع يستحيل تغييره، ولكن يمكن فقط إعادة صياغة ما تبقى من فرص لتقليل الآثار السلبية جراء السد، وجنيّ بعض المكاسب الداخلية كلًا في بلده، فإثيوبيا تريد استكمال البناء والملء، ومن ثمَّ تحقيق التنمية عبر توليد 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء، وتحسين الاقتصاد بتصدير الطاقة، وتخزين 74 مليار مكعب من المياه، وفي الإطار تحقيق إنجاز سياسي يُحسب للحكومة الحالية، أما السودان فسيعمل سد النهضة على تخفيف ضغوط الفيضان المؤئرة على سدوده، والاستفادة بنصيب أكبر من بواقي الفيضان يصل إلى 18 مليار متر مكعب بدلًا من 8 مليارات كان منصوصًا عليها في اتفاقية 1959م، كما سيحصل السودان على الكهرباء من إثيوبيا بأسعار زهيدة، ولكن لا يخلو الأمر من بعض الخسائر، منها أن السد سيغرق مساحة كبيرة من الأراضي السودانية القريبة منه، كما سيمنع نقل الطمي الخصب إلى أراضي السودان الزراعية، أما مصر فربما هى الأقل حظًا من الاستفادة من السد، إذ ستنقص حصتها من المياه بنسبة من 10% إلى 25 %، ومن المتوقع أن يصيب التصحر أكثر من مليون فدان من أراضيها الزراعية لنقص المياه، بالإضافة إلى خطر حدوث جفاف ونقص إنتاج الكهرباء أثناء فترة ملء السد. في الحالة السودانية يمكن تعظيم المكاسب وتخفيف الآثار السلبية للسد على عكس الحالة المصرية التي يصعب فيها الاستفادة من هذا الوضع المأزوم، وما هو أسوأ من كل ذلك هو أن إثيوبيا تبدو عازمة على المضي قدمًا إلى الأمام أكثر فأكثر، عبر رغبتها في التفاوض على نسب المحاصصة التاريخية في مياه النيل، كما قال وزيرها للري والطاقة "سيليشي بيكيلي"، حين أكد أن "بلاده لن تعترف بالحقوق التاريخية لمصر في مياه نهر النيل"، وتلك ستكون الكارثة الكبرى.