قبل أكثر من 24 عامًا، وتحديدًا يوم الرابع من نوفمبر 1995م، قام شخص يُدعى "إيغال عمير" باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إسحاق رابين"، وذلك على إثر توقيعه اتفاق أوسلو للسلام مع الفلسطينيين عام 1993م، لم تكن دوافع "عمير" لتنفيذ الاغتيال دوافع شخصية، وإنما هى نتيجة لعمليات شحن وتحفيز مكثفة كانت سائدة في أوساط اليمين المتطرف حينها، المفاجأة أن رئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو" كان من المحرضين الفاعلين في أوساط اليهود المتطرفين، إذ أدى هذا التحريض في نهاية المطاف إطلاق "عمير" لثلاث رصاصات اخترقت ظهر "رابين" أثناء خروجه من مهرجان لدعم السلام في إحدى الساحات بتل أبيب، وبينما يقضي "عمير" الآن حكمًا بالسجن المؤبد، فإن "نتنياهو" يمسك بتلابيب الحكم في الكيان الصهيوني، بل ويُسخِّر كل إمكانيات منصبه للإفلات من تهم الفساد التي تلاحقه، المفارقة هنا أن الأيام الراهنة التي يشهدها الكيان الصهيوني هى أشبه ما يكون بتلك الأيام الخوالي التي سبقت اغتيال "رابين"، فهل يمضي "نتنياهو" في نفس المسار ويلقى نفس النهاية التي حرّضَ هو نفسه ذات يوم كي يلقاها "رابين"؟!

لا يلبث "نتنياهو"، المتهم في 3 قضايا فساد، وهى الرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال، أن يخرج من مشكلة حتى يقع في أخرى أصعب منها، فبعد عام من الجمود السياسي وثلاث انتخابات لم ينتج عنها سوى كنيست مشتت القوى، استطاع "نتنياهو" أن يتوصل مع منافسه "بيني غانتس"، إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية يتناوبان على رئاستها، ولم يكد "نتنياهو" يتنفس الصعداء بعد الإتفاق مع خصومه، حتى تمّ رفع هذا الإتفاق إلى المحكمة العليا للبت في دستورية توليّ "نتنياهو" رئاسة الوزراء في ظل التهم التي تلاحقه، جاء الحكم منصفًا لـ"نتنياهو"، الذي خرج من تلك الأزمة إلى أزمة أشد وطأة وهى جائحة كورونا، التي فشل في إدارتها سواء إبان توليّه حكومة تسيير الأعمال وكذلك الآن وهو على رأس حكومة الطوارئ الحالية، هذا الفشل بالإضافة إلى تراكمات أخرى تسبب في خروج مظاهرات واسعة داخل الكيان الصهيوني تطالب "نتنياهو" بالإستقالة، ومعها تزداد الكراهية والعنف، وبالرغم من وعود "نتنياهو" المتكررة بتحسين الأوضاع، إلا أن رقعة التظاهرات تزداد يومًا بعد آخر، وقد وصلت إلى مقر إقامته في القدس المحتلة، وبدأت مطالبات بتشكيل حكومة طوارئ قومية تضم كل الأحزاب وتستثني "نتنياهو" منها، وتصب اهتمامها على الأزمات الاقتصادية والصحية والاجتماعية، وتضع جانبًا المواضيع الشخصية والسياسية، وليس من الصدفة أن قيادات في حزب الليكود أعربوا أن من الممكن قيام حكومة بديلة برئاسة الليكود، لا يكون نتنياهو رئيسًا لها، ولا شك أن كل هذه الأمور تسبب خوفًا وعدم طمأنينة في نفس "نتنياهو".

 وزير الأمن الداخلي "أمير أوحانا"، يرى أن التظاهرات الحالية المناهضة لـ"نتنياهو" ستنتهي لا محالة بإراقة الدماء، فهى شبيهة إلى حد كبير بتلك التي سبقت اغتيال "رابين"، وهى نفس المقاربة التي ذكرها رئيس الموساد الأسبق "داني ياتوم"، وبحسب "أوحانا" فإن "العنف يتزايد مع الوقت، وهناك أجواء مشحونة بالكراهية في هذه المظاهرات، وتوجد انقسامات حادة بين الطرفين". لكن ثمة اختلاف جوهري يُضاف إلى ما قاله "أوحانا"، فهذه التظاهرات ليست لدوافع الاختلاف السياسي فقط، بل إنها أيضا تحمل غضبًا واحتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية وفساد "نتنياهو" المستشري وتهربه من المحاكمة والعقاب، بالإضافة إلى سوء إدارته لأزمة فيروس كورونا المستجد، وبالفعل فقد تقدم "نتنياهو" ونجله مؤخرًا للشرطة الإسرائيلية بتلقيهما تهديدات بالقتل، وهو ما دفع "نداف أرغمان"، رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) إلى تكثيف الحماية حول "نتنياهو" وأسرته، خوفًا من اغتياله، خاصةً بعد أن نصب محتجين في ميدان "إسحق رابين" في تل أبيب مجسمًا لـ"نتنياهو" يأكل كعكة على شكل علم الكيان الإسرائيلي، من مائدة مليئة بالأطعمة، صممت على نموذج العشاء الأخير قبل قتله، فهل كان اختيار هذا الميدان تحديدًا من قبيل الصدفة، أم يحمل رمزية معينة؟!

بالعودة إلى المقارنة بين "رابين" و"نتنياهو" سنجد اختلافات عديدة بينهما لكن في النهاية تجمعهما أهداف ورؤى مشتركة، فـ"رابين" اليساري من أصول أوكرانية، وُلِدَ في القدس عام 1922م، وانضم في شبابه إلى منظمة البلماخ اليهودية العسكرية المتطرفة، وقاد عملية تطهير عرقي بمدينة اللد الفلسطينية في عام 1948م، قاد "رابين" جيش الاحتلال في حرب الأيام الستة "النكسة" عام 1967م، وتولى منصب وزير الدفاع إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987م، وهو من وقف وراء فكرة "تكسير عظام ملقي الحجارة الفلسطينيين"، قبل دخوله طريق التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية. أما "نتنياهو" اليميني ذو الأصول البولندية، فقد اتسمت معظم فترات حياته بالعمل الدبلوماسي والسياسي، باستثناء الفترة التي خدم فيها ضمن القوات الخاصة بجيش الاحتلال، لكن أبرز الاختلافات بينهما هى أن "نتنياهو" لاعب محترف وخبيث في العمل السياسي، فالتكهنات تشير إلى أنه سيحل الحكومة ويذهب إلى انتخابات مبكرة كي يفوّت الفرصة على "غانتس" في تولي رئاستها، كما أن الانتخابات قد تعطيه مهربًا مؤقتًا من ملفات الفساد والمحاكمة، وربما يشعل الشارع عبر أنصاره، مثلما فعل سابقًا حين أعطى تعليمات لمؤيديه للخروج في مظاهرات مؤيدة له شارك بها الآلاف، وقد ينجح في الوصول لرئاسة الحكومة مجددًا نظرًا لعدم وجود شخصية سياسية بنفس ثقله كي ينافسه في أي انتخابات قادمة بعد أن تكون ورقة "غانتس" قد احترقت، كما أن حزبه، حزب الليكود، لا يمكنه الاستغناء عن نتنياهو، كونه حزب الرجل الواحد، فـنتنياهو هو الذي أعاد صناعة هذا الحزب من الرماد قبل سنوات ووضعه  في سدة الحكم.

ما يجمع الإثنين هو أنهما يؤمنان تمامًا برفض أيّ انسحاب من أي أراضي تمّ احتلالها، وأن أيّ مفاوضات مع الفلسطينيين يجب أن تتمحور حول البشر فقط، بينما لا تنازل في موضوع الأراضي أو مسألة السيادة، مع بقاء السيطرة لإسرائيل على المعابر والطرق الرئيسة، لقد كان "رابين" ينظر نظرة أمنية محضة إلى القضية الفلسطينة، إذ كانت تتمحور استراتيجيته حول تقليل عدد قتلى الصهاينة، وإخضاع الفلسطينيين عبر التفاوض وجعلهم يقبلون بالأمر الواقع للاحتلال، وفي الإطار كان يعمل على تلميع صورة الكيان المغتصب أمام الرأي العام الدولي ويُظهِر نفسه كرجل سلام. ففي عام 1975م وخلال مقابلته مع مجلة نيوزويك، قال رابين إن "إقامة دولة فلسطينية سيكون بمثابة سرطان في قلب الشرق الأوسط، ستكون دولة ضعيفة تتكون من متطرفين كان حلمهم الوحيد هو تدمير دولة إسرائيل"، بعد 45 عامًا وخلال مقابلة مع صحيفة "يسرائيل هيوم"، قال "نتنياهو" إن "هذه الدولة لن تقوم في القريب، وإن قامت فلن تكون دولة حقيقية، كما أنها لن تكون مستقلة"، فغالب الظن أنه لو تبدل الزمان وكان "إسحق رابين"، الذي يصوّره البعض زورًا على أنه "بطل لسلام الشجعان"، مكان "بنيامين نتنياهو"، لسار على نفس النهج الحالي في خطط الضمّ والأطماع الإسرائيلية وصفقة القرن وسياسة التهويد والاستيطان والسيطرة على الحدود، وعدم تمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم.

ينتظر "نتنياهو"، البالغ 70 عامًا وصاحب أطول فترة في رئاسة وزراء الكيان الصهيوني، يوم السادس من ديسمبر المقبل، موعدًا للجلسة الثالثة من محاكمته بتهم الفساد، سيكون مُلزمًا بالمثول أمام هيئة المحكمة خلال تلك الجلسة المذكورة، خاصةً بعد أن فشل في الحصول على حصانة برلمانية، وبحسب تقديرات فمن المتوقع أن تستغرق محاكمته ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام، فهل سينجح "نتنياهو" أن يفلت من المحاكمة أم ستقضي على مستقبله السياسي أم لا هذا ولا ذاك وسيلقى مصير "رابين"؟!