عندما زرته في عيادته المتواضعة قبل عام تقريبًا، كانت العيادة تضج بالمرضى، كثيرٌ منهم ضاقت عليهم حياتهم، خاصةً بعد أن أصابهم المرض فضاقت أكثر، ولم يجدوا ثمن التداوي وربما ثمن الدواء أيضا، خلال لحظات الانتظار كنت أفكر في الأسباب الجوهرية التي قد تدفع هذا الرجل السبعيني الجالس داخل غرفة الكشف، مضحّيًا بأشياء كثيرة في حياته من أجل إنقاذ أرواح الآخرين، صحيح أن مهنة لأطباء حول العالم هى مهمة مقدسة وفي كثير من الأحيان يخاطر الأطباء بحياتهم الخاصة من أجل مرضاهم، وقد يتحمل الطبيب العديد من الضغوط والمسؤوليات التي تقع على عاتقه من أجل أداء مهمته، لكن في أغلب الأحيان فإنه يحصل على المقابل المادي الذي يعوضه عن ذلك، ويعينه على مواجهة مصاعب الحياة التي تزداد يومًا بعد آخر، لم أستغرق طويلًا في التفكير، فسرعان ما جاء موعد مقابلتي معه من أجل الترتيب للقاء صحفي معه، وخلال تلك اللحظات القصيرة التي قضيتها بصحبته، اكتشتفت عالم آخر مختلف لطبيب الغلابة، المصري "د. محمد مشالي"، الذي وافته المنيّة قبل أيام قليلة، فكان خبر وفاته مفجعًا للجميع.

وُلِدَ "د. محمد عبد الغفار مشالي" في إيتاي البارود بمحافظة البحيرة بشمال مصر عام 1944م، كان الابن الأكبر من بين خمسة أطفال لأسرة متواضعة، تدرج في مراحل الدراسة المختلفة إلى أن تخرج من كلية طب القصر العيني بالقاهرة عام 1967م،  لم يبتعد عن المهمشين والفقراء، عملًا بوصيّة أوصاها له والده ذات يوم، ففي عمله الحكومي الطبي، تنقل في القطاع الريفي بين الوحدات الصحية بالقرى، حتى أحيل للمعاش عام 2004م، افتتح عيادته الخاصة عام 1975م، وعلى عكس ما هو معتاد في العيادات الخاصة، فقد وضع "مشالي" تسعيرة للكشف والإعادة تكاد تكون غير منطقية، بما لا يثقل كاهل البسطاء، كانت مبادرة شخصية منه ولم يجبره أحد على فعلها، فعلها بحب لأنه عاش كفاحًا مريرًا، وبدأ من الصفر، وعاش معظم حياته بين الفقراء والمساكين الذين وهب حياته من أجلهم. كان "مشالي" يتمنى الالتحاق بكلية الحقوق، لكن والده كان يأمل أن يصبح ابنه طبيبًا، لذا فقد إلتحق بكلية الطب تنفيذًا لرغبة وأمنية والده، منذ تلك اللحظة وقد أخذ عهدًا على نفسه وهو أن يمارس الطب كرسالة إنسانية لنجدة الفقير من المرض بتوفيق من الله عز وجل، فمعظم المترددين على عياده هم من الفئات الفقيرة والمهمّشة

داخل عيادته المتواضعة التي تتكون من غرفتين فقط وتوجد في أحد المنازل العتيقة بمنطقة درب الأثر بمدينة طنطا شمالي مصر، توجد آلاف النسخ من جرائد ومجلات قديمة مكدسة بجواره إذ أنه من عشاق القراءة، بالعيادة أيضا معمل بدائى قديم بكرسى واحد فقط وشزلونج قديم، يقبع "د. مشالي" خلف مكتبه البسيط، كانت التجاعيد الظاهرة بوضوح على وجهه ويديه مع تقدمه في العمر وانحناء ظهره، يدلان بجلاء على كفاحه طيلة حياته دون انقطاع، فقد ضحى تارة من أجل تربية أبنائه وأبناء شقيقه الذي توفى وتركهم، وتارةً أخرى من أجل آخرين فقدوا حقهم في العلاج، فهم "المعذبون في الأرض" كما وصفهم عميد الأدب العربي "د. طه حسين" في مجموعته القصصية وقرأها "مشالي" وأحبها، وقرر أن يهب حياته من أجل علاجهم، كما أنه يقدم الدواء بالمجان لمن لا يستطيع لذلك سبيلا.

بالرغم من سطوع نجمه في وسائل الإعلام التي انتبهت إليه متأخرًا، إلا أنه ظل مرتبطًا بنمط حياته المعتاد بين البسطاء، جاءته الأموال تسعى، رفض آلاف الدولارات من مؤسسات وأفراد وبرامج، كان آخرها مبلغ ضخم للغاية من برنامج إماراتي شهير خلال شهر رمضان الماضي، حيث رفضه ودعا لتقديم هذا المبلغ للمحتاجين والأطفال الأيتام وللأماكن الاجتماعية التي تحتاج الدعم، إذ يؤمن بقناعة نادرة بمقولة "أعطتني الدنيا أكثر مما أتمنى وأستحق"، وبالرغم من تقدمه في العمر إلا انه اعتاد أن يمشى إلى عيادته يوميًا، فهو لا يجيد قيادة السيارة لذا فهو يستقل القطار فى كافة انتقالاته، ولا يمتلك هاتفاً نقالاً لكن مواعيده في الحضور إلى عياداته يمكن ضبط الساعة عليها، فهى أدق من مواعيد القطار الذي يستقله، و حول بقاء ثمن الكشف بعيادته منخفضًا بالرغم من متغيرات الزمن، كان "مشالي" يؤمن بأن رسالة الطب ليس الهدف منها التربح بشكل جشع واستغلال حاجات الناس ومرضهم، فمن يريد بناء العقارات أو ركوب السيارات الفارهة فليذهب ويعمل فى التجارة والاستيراد أو العقارات، أما رسالة الطب وخدمة الناس فدائما هى بلا مقابل، لذلك لم يسعى وراء الجاه أو المال من وراء الطب، وعكف على خدمة الناس والفقراء منذ بداية حياته الوظيفية، فالطب بالنسبة له رسالة وأمانة وعلم يورث وليست تجارة رابحة.

كانت وفاته صادمة لمرضاه ومحبيه وكل من عرف قصته ذات يوم، فأكثروا النعي والحزن، نعاه شيخ الأزهر الشريف "د. أحمد الطيب"، ووصفه بأنه مثال للإنسانية، ونعته المتحدثة باسم الحكومة البريطانية للشرق الأوسط، حيث وصفته بأنه "إنسان عظيم فقده العالم بعدما كرّس حياته لعلاج الفقراء"، ونعاه حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد، بأنه "صانع أمل من نوع مختلف"، مشاهير كثر وجامعات ومؤسسات ونقابات أعربت عن حزنها برحيل "د. محمد مشالي" الذي يمكن تلخيص قصة حياته في عبارة واحدة وهى أنه الطبيب الذي وهب حياته بأكملها للمحتاجين والمعدمين، وفي وجود أمثاله يمكن التأكد من أن الإنسانية لم تنعدم من هذا العالم، ولم ينتهي الخيّرون أبدًا منه، لكننا ـ للأسف ـ بوفاة "مشالي" فقدنا أحدهم، وفقد الغلابة طبيبهم، الذي فُتِحَت وصيته بعد وفاته، فلم يجدوا فيها سوى جملة واحدة: "أوصيكم خيرًا بالغلابة.. أوصيكم خيرًا بالغلابة".