في مثل هذا اليوم العظيم، أقصد يوم عرفة سنة 102ه، الموافق 10 يونيو 721م، استشهد بطل من أبطال الإسلام، وفارس من فرسان الجهاد، وأحد أمراء الأندلس العظام، الذين امتازوا بتعدد المواهب والخبرات والمعارف، وبتنوع الصفات والسجايا والخصائص، إنه الإداري القدير النزيه، والسياسي الألمعي النابه، والعامل الأمين المخلص، والوالي الناجح الكفء، والعالم الورع الثقة، التقي النقي، السمح السري، الجواد السخي، العاقل الفاضل، العابد الزاهد، الجريء في الحق، والقائد العسكري الفاتح، والمجاهد الغازي الصادق، والبطل الشجاع المغوار: السمح بن مالك الخولاني، ثم الحيَاوي، أمير الأندلس. فقد استشهد غازيا في سبيل الله، خلال إحدى الحملات العسكرية، في أراضي بلاد الفرنجة، التي تسمى أيضا بلاد الغول، أو غالة (غاليس). وهي تلك البلاد المجاورة لأقصى بلاد الأندلس، أي شمال شرقي اسبانيا، فيما وراء جبال البرتات (جنوب فرنسا حاليا)، والتي تقع، بدورها، ضمن البلاد المعروفة في الجغرافية العربية، باسم "الأرض الكبيرة". وتحدِّد بعض المصادر العربية المكان الذي استشهد فيه السمح فتقول: استشهد غازيا بأرض الفرنجة في الواقعة المشهورة، التي وقعت عند مدينة (تولوز) ، والتي تسمى في المصادر العربية (طلوشة) أو (طولوشة) أو (طلّوزة)، وهي مدينة مشهورة تقع في جنوب غربي فرنسا. وهي اليوم قاعدة منطقة (الجارون)، وكانت في القديم قاعدة مملكة (أكيتانيا). وكان استشهاده بعد أن فتح الشطر الأعظم من جنوبي فرنسة، وعلى رأسه المدينة المهمة نربونة، لؤلؤة الساحل الفرنسي الجنوبي، والتي ظلت بأيدي المسلمين لأكثر من أربعين عاما. وكان رحمه الله، قد خرج غازيا في شهر رمضان، فدخل عليه شهر ذي الحجة، وهو يقاتل الأفرنج، ويجتهد في افتتاح ما تبقى من مدن جنوب فرنسا، " فاستمر، في جهاده، مستجيباً لصوت فؤاده، حيث صاغت مرضاةُ الله كُلَّ هدفه، داعياً إلى الله، رافعاً رايته، ناشراً في الورى شريعته، واستمر على ذلك، يقود هذا الجهاد، ويتقدّم، ويضع نفسه وجهده وحياته في معمعته".

فإن قيل بأن ذا القعدة وذا الحجة من الأشهر الحرم. فكيف يقاتل السمح في الأشهر الحرام؟ وربنا سبحانه وتعالى، قد حرم القتال في هذه الأشهر، فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحلو شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد" [المائدة:2]. فالجواب، أنه لا بأس في ذلك سواء ابتدأ القتال فيها، أو ابتدأ قبلها، فقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأشهر الحرم، ومن ذلك غزوة خيبر، وكانت بدايتها في محرم وانتهت في صفر، من السنة السابعة. وكذلك حصار الطائف، وكانت بدايته في شوال وانتهى في ذي القعدة من السنة الثامنة. وقال ابن القيم: ولا خلاف في جواز القتال في الشهر الحرام، إذا بدأ العدو، إنما الخلاف، لأن يقاتل فيه إبتداء، فالجمهور: جوزوه، وقالوا تحريم القتال فيه منسوخ، وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله.

ويعتبر السمح بن مالك الخولاني، أول ولاة الأندلس، وأول قائد مسلم كبير، تطأ قدماه أراضي جنوبي فرنسة، وهو من ركز راية الإسلام، لترفرف عالية خفاقة، فوق أسوار مدن وقلاع هذا الجزء الهام من فرنسة، وأول من وطدّ وجود دولة الإسلام فيها، وهيأ للمسلمين، من ثم، الأرضية الصلبة، التي يقفوا عليها داخلها، وينطلقوا منها لنشر دينهم، فيها وفيما يليها من بلاد، وهو الذي دشنّ النضال القوي الساطع، بين المسلمين والفرنجة، في سهوب وسهول هذه الأرض، وهو النضال، الذي أمتد لفترة طويلة من الزمن، تجاوزت أربعة عقود، بل لا يزال صداه، يتردد حتى اليوم، وأخيرا، وليس آخرا، هو أول قائد عربي مسلم، من ولاة الأندلس، يسقط شهيدا في هذه البلاد، ويضرّج دمه الزكي الطاهر، ودماء كثير من جنوده، ثرى هذه الأرض، وعلى خطاه سار بقية القادة الفاتحين في فرنسة: عنبسة بن سحيم الكلبي، وعبد الرحمن الغافقي، وعقبة بن الحجاج السلولي.

فالسمح بن مالك الخولاني، شخصية عربية إسلامية تاريخية، لها وزنها، ودورها الحيوي والهام، في التاريخ. إنه أحد الشخصيات العربية الإسلامية، الفذة التي صارت جزءا لا يتجزأ من تاريخ الإسلام في الأندلس، والتي تركت بصماتها الواضحة، في ذلك الصرح الحضاري الشامخ، الذي أقامه المسلمون، في هذا القطر، والذي لم يعرف التاريخ له مثيلا من قبل. إنه من أولئك الرجال الأفذاذ، الذين خلدّت أسماءهم تضحياتهم وانجازاتهم، وأعمالهم، الإصلاحية الجليلة، وفتوحاتهم وجهودهم المخلصة، في سبيل إعلاء كلمة ربهم، ونصرة دينهم. وحسبك برجل ارتبط اسمه باسم الإمام العادل، والخليفة الراشد، عمر بن عبد العزيز، هذا الأخير الذي كان السمح من اكتشافه، ثم صار من الرجال المقربين منه، والموثوقين عنده، قبل خلافته، ثم كان من أبرز المشاركين في مسيرته الإصلاحية الشاملة والعادلة، والتي دشنها في مطلع خلافته، هذه الأخيرة التي تعتبر درّة في تاريخ الإسلام. فقد كان السمح عاملا له وواليا على أخطر منطقة من مناطق المسلمين، آنذاك، وهي الأندلس، تلك البلاد التي شبهها العرب بـجنة الخلد، والتي صارت تعرف اليوم بعد أن فقدها المسلمون، باسم "الفردوس المفقود"، فقام بواجبه في إصلاح شئونها خير قيام، وبنى قنطرة قرطبة الشهيرة على نهر الوادي الكبير، ونفذ المهام التي أوكل إليه تنفيذها، على أحسن وجه، وعمل فأخلص، وحرث، وبذر، وسقى، وجاهد في الله حق جهاده، وكان خير وال لخير خليفة، وخير مؤتم بخير إمام.

والشيء الذي لا خلاف عليه، ولا جدال حوله، هو أن: الرجل قد ختم حياته بالاستشهاد في سبيل الله، وهو أعظم الصالحات. وحسبك برجل نال الشهادة، في الأيام العشر، وتحديدا في يوم عرفه، وهو أفضل هذه الأيام، بل أفضل أيام الدهر على الإطلاق، لأنه يوم الحج الأكبر، وفيه يكون الوقوف، والتضرع، والتوبة، والابتهال، والاستقالة، وصيامه يكفر سنة، وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب، أكثر منه. وقد ثبت في "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام العشر".. يعني عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٍ خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيءٍ"، وهي الأيام العشر التي أقسم بها في كتابه بقوله: " والفجر وليالٍ عشر"[ الفجر:1-2]. ويلخص الدكتور عبد الرحمن الحجي، كل ذلك في عبارة موجزة، فيقول: أما تاريخ المعركة، التي استشهد فيها السمح، فراجح أنه ذو الحجة، سنة اثنتين ومائة، في يوم التروية أو عرفه. (قال) لذلك مدلول، وأي مدلول. قال تعالى: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) [الأحزاب:231].

وإن هذا الموقف من قبل السمح مالك، في حد ذاته، يؤكد بوضوح، أن هذا الغزو، كان لهدفٍ سامٍ، وهو الجهاد في سبيل الله، وتبليغ رسالة عظيمة هي رسالة الإسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وليس من أجل إرضاء شهوة الجند بالغنائم، أو وضع اليد، على الأراضي، وموارد الثروات، أو للتحكم في الرقاب. وهذا الإصرار على المواجهة في هذا اليوم العظيم، يأتي امتثالا لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). [الأنفال:45]، وقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) [الأنفال:15-16].