منذ عدة أسابيع تتوالى في إيران تفجيرات غامضة متنوعة، بأشكال مختلفة في سلسلة انفجارات وحرائق هزت عدة منشآت ومواقع عسكرية وصناعية.

بدأت التفجيرات في يوم الجمعة 26 يونيو الماضي وفي خلال أسبوع بعدها، توالت أربعة تفجيرات ولازالت هذه التفجيرات تتوالى حتى هذا اليوم، بدأت التفجيرات في شرق طهران وفي موقع "بارشين" العسكري حيث شوهدت كرة النار فوق الموقع في ظروف أوعزتها السلطات الإيرانية لانفجار غاز صناعي في موقع معروف بتطويره قدرات نووية وصاروخية وشهد تفجيرات في السابق، بعد الانفجار بثلاثة أيام، نقلت أسوشيتد برس معلومات عن تفجير جنوب إيران استهدف موكبا للحرس الثوري، حيث ضرب سيارتين للحرس في إقليم سيستان-بلوشستان جنوبي شرق إيران، بالقرب من الحدود الباكستانية وأسفر عن إصابة قائد الحرس الثوري بالمنطقة.

وبعدها بيوم واحد أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني وقوع 19 قتيلا وعددا من الجرحى في انفجار ضرب مستشفى سيناء شمال العاصمة طهران ورجحت السلطات أن يكون أيضا سببه أنبوب غاز.

ثم جاء التفجير الأكثر غموضا في موقع نطنز النووي، بالقرب من مدينة أصفهان في وسط إيران والذي تبنته في بيان بالفارسية لإذاعة "بي. بي. سي." البريطانية مجموعة أطلقت على نفسها اسم "نمور الوطن"، وزعمت بأن لها عناصر يعملون داخل أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية وأن التفجير من "الأهداف الأولى" لعملياتها.

وبعدها تمكنت احدى التفجيرات من استهداف مستودعات صواريخ دقيقة غرب طهران، أعقبها تخبط رسمي إيراني بين نفي وكالة فارس وتأكيد وكالة مهر لحصول هذا الانفجار وهناك أيضا حريق في إحدى مصافي النفط جنوب البلاد وتوقف منظومات الحواسيب عن العمل لساعات في ميناء رجائي على مياه الخليج إضافة إلى انفجار مخازن الغاز في أحد مراكز وزارة الدفاع.

وبات عاديا أن نستيقظ صباحا على خبر تعرض منشاة للطاقة في إيران لانفجار أو أي عمل تخريبي.

فهل هذه التفجيرات عفوية، حدثت بمحض الصدفة أو خطأ تقني؟

وإذا لم تكن تلك التفجيرات عفوية فمن يقف وراءها؟

هناك من يرى أن التفجيرات هي استكمال لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي تمارسها الولايات المتحدة لعملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني.

وهناك من يرى أن وراءها إسرائيل بمفردها؟

وثمة رأي ثالث يقول إنها عمل مشترك إسرائيلي أمريكي أو اسرائيلي بعد ضوء أخضر أميركي.

وهناك من يقول انها من تدبير المعارضة الإيرانية على مختلف أشكالها.

ولكن أول من ذكر أنها عفوية هو إيران نفسها، ولكن ليست كل التفجيرات بعضها عفوية وأخرى مدبرة، ففي تصريح مضطرب يحتوي على جميع الاحتمالات، بعد أقل من 24 ساعة على حادث منشأة نطنز النووية، قال رئيس منظمة الدفاع المدني الإيرانية غلام رضا جلالي في برنامج تلفزيوني، إن معظم الحوادث نجمت عن عدم مُراعاة معايير السلامة، لكنّ بعضها ربما يكون بسبب أعمال العناصر المُعادية للثورة أو العناصر المُرتبطة بها، أو تدخُّل العدو.

أما الرأي القائل بأن وراء هذه التفجيرات الولايات المتحدة بمفردها، فقد ذكره أيضا غلام رضا جلالي في حديثه السابق، فقال بالحرف: إنه في حالة الأحداث الأخيرة؛ ونظرًا إلى أننا منخرطون في حرب اقتصادية خطيرة مع الولايات المتحدة، ونُكافح في مختلف المجالات، فإن الفرضية الأولى هي أن هذه الحوادث قد تكون تهديدًا وناتجةً عن تحركات العدو.

ولكن جلالي لم ينسى أن يوجه أيضا الاتهامات للمعارضة، فقد اتهم جلالي في نفس المقابلة مع التلفزيون الإيراني الجماعات المعادية للثورة والعناصر المرتبطة بها.

وهكا يتخبط النظام الإيراني ولا يعرف بالتحديد من فعل هذه التفجيرات؟ هل هي أمريكا أم المعارضة أم خطأ تقني؟

وقد نقلت صحيفة "الجريدة" الكويتية عن مصدر "كبير" لم يذكر اسمه قوله في هذا الشهر، إن حادثة بارشين كانت نتيجة غارة جوية، شنها مقاتلو الشبح الإسرائيليون من طراز إف 35، في حين أن انفجار ناتانز نتج عن سايبراني (حرب الكترونية) إسرائيلي.

أما إسرائيل فترد على هذه الاتهامات، ويصرح مسئولين فيها إن طهران يجب أن تنظر إلى أخطاء في العمل وإهمال وعنجهية تجعل المسؤولين الإيرانيين لا يراجعون التعليمات.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي البديل ووزير الأمن بيني غانتس، إنه ليس كل ما يقع من أحداث في إيران هو من صنع إسرائيل، أي أنه ضمنيا يعترف بقيام إسرائيل ببعض هذه الأعمال.

ونشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريراً شارك مراسلها في إسرائيل في إعداده، وقالت فيه إن إسرائيل مسؤولة عن قسم على الأقل من هذه التفجيرات، وإن التفجير في نطنز تم بإلقاء قنبلة ضخمة عليه من الجو، وإن مسؤولاً في الشرق الأوسط (حسب مصدر في تل أبيب فإنه مسؤول إسرائيلي)، أكد أن بلاده تقف وراء العملية، كما أسمع مسؤولون إيرانيون تهديدات لإسرائيل بسبب ذلك.

أما صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية فتقول، إن هناك عدة عوامل تعطي وزنا للتقارير التي تفيد بأن إسرائيل ربما وجدت أن الوقت مناسب لمهاجمة المنشآت الإيرانية، وربما تشن حملة أكبر خلال المستقبل.

ويمكن تلخيص العوامل بأربع نقاط وردت في المقال الذي نشرته الصحيفة يوم الأربعاء الماضي:

1-المسؤولون الإسرائيليون يرون أن إيران ضعيفة في الوقت الحالي، في ظل حملة الضغط القصوى التي مارستها واشنطن على طهران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في 2018، والعقوبات التي تبعت ذلك، كما كان لوباء كورونا المستجد ومقتل قاسم سليماني والاحتجاجات الشعبية التي وقعت الخريف الماضي في إيران، دور في جعل النظام الإيراني أكثر ضعفا وانعزالا من قبل.

2-تبني إسرائيل مؤخرا ما يعرف بمبدأ الأخطبوط، ويتضمن استهداف الإيرانيين بشكل مباشر بدلا من ضرب وكلائها في المنطقة، كما كان يحصل في السابق.

3-تاريخ اسرائيل في تنفيذ هجمات مماثلة، كما حصل في قصف مفاعل تموز النووي العراقي في 1981، ومفاعل نووي سوري قيد الإنشاء في 2007.

4-عدم قيام الولايات المتحدة بكبح جماح إسرائيل خلال التحركات التي قامت بها في الشرق الأوسط، وهو ما فهمته إسرائيل على أنه ضوء أخضر لتنفيذ عمليات مماثلة.

إذن يبدو من هذه المعطيات أن إسرائيل هي من قامت بهذه الأعمال بغطاء وضوء أخضر أمريكي.

ولكن هنا يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا تقوم إسرائيل وأمريكا بضرب إيران؟

في عصر أوباما شهد تغييرا في الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، لتقليل الخسائر العسكرية فصاغ استراتيجية "إدارة الهيمنة من الخلف"، وهي استراتيجية تقوم على ادارة الصراع في الشرق الأوسط بواسطة حلفاء اقليميين، فوقع الاختيار على إيران باعتبارها قوة صاعدة غير سنية ولا يخشى منها في قيادة المنطقة، غير متجذرة بسبب طائفيتها، فأبرم اتفاقا نوويا معها وأطلق يدها في المنطقة تعبث فيها، طالما التزمت إيران بشرط ضمان المصالح الامريكية، وهي تدفق النفط ومكافحة الارهاب وامن اسرائيل.

وعندما جاء ترامب وجد أن إيران قد تمددت أكثر من المسموح به في منطقة فراغ قوى، وأصبحت قوة تنافس اسرائيل على زعامة الشرق الاوسط وسط تراجع في القوى العربية، وبالتالي أصبحت إيران تهدد جزء من المصالح الامريكية، فكان قرار مواجهة إيران والحد من نفوذها وقصقصة أجنحتها، ولكن ليس الغاءها فالدور الايراني مطلوب امريكيا واسرائيل في حدود قمع والحيلولة دون صعود اي قوة سنية في المنطقة، ولكن إذا تجاوز حده لينافس الهيمنة الامريكية الاسرائيلية في الشرق الاوسط حينئذ يجب التدخل وضبط حدود دوره.

وهذا ما تفعله امريكا واسرائيل بقصف بعض المواقع الايرانية في سوريا والتي تقترب من إسرائيل، مرورا باغتيال سليماني قائد فيلق القدس، مرورا بالحرب العسكرية والالكترونية التي تشنها اسرائيل الآن.

ولكن لماذا لا تشن اسرائيل وامريكا حربا شاملة علنية على إيران لماذا تتخذ تلك الحرب هذه الصورة السرية؟

هذه المعركة السرية التي تشنها اسرائيل بضوء اخضر امريكي، هي مناسبة في عام الانتخابات الامريكية وقبل شهور من اجراءها، حيث لا يريد ترامب ما يعكر ويؤثر على نتيجة الانتخابات، وتحسبا إذا ما جاءت هذه الضربات بنتائج ضد المصالح الامريكية. 

ولكن بصرف النظر عن أسباب هذه التفجيرات، فإنها أظهرت ثغرات أمنية داخل الحرس الثوري وفي الهيكلية العسكرية الإيرانية، كما كشفت عن هشاشة الوضع الداخلي الإيراني، فالثغرات الأمنية التي كشفت في العام 2020 من مقتل قائد الحرس قاسم سليماني إلى الإخفاقات في الرد، وصولا لهذه تفجيرات تعكس مشاكل في ضبط الوضع الداخلي ووجود خروقات استخبارية داخل النظام.