يوم اجتاحت الدبابات اسرائيلية الجنوب اللبناني عام 1982، اصطف جمهور ما يسمى “المقاومة” بعد ذلك، وهم شيعة جنوب لبنان، على جوانب الطرقات يرشون الدبابات الاسرائيلية بالأرز والورود وحناجرهم تصدح بصيحات الترحيب والامتنان لهذا الاجتياح، وخلال فترة الاحتلال خدم عدد كبير من الشباب الشيعي في قرى جنوب لبنان في جيش لبنان الجنوبي الذي أنشأته إسرائيل حينها، لمحاربة الفلسطينيين الذين كانوا يشنون هجمات على الشمال الاسرائيلي، وكانوا يومها خير عملاء وبيئة حاضنة للاحتلال الإسرائيلي، الذي وصل حينها لبيروت ليرتكب أكبر المجازر بحق الفلسطينيين وأهل السنة في لبنان، والتي لازالت تلك الجرائم شاهدة على التعاون الصهيوني المسيحي الشيعي، الذي لم يلبث أن أخذ أشكالا عديدة على مر تلك الحقب والعقود.

نتذكر تلك الحقبة ونحن نرى ما جرى للفتاة اللبنانية كندة الخطيب في الأيام الماضية، وهي فتاة سنية تبلغ من العمر (24 عامًا) من مدينة عكار في شمال لبنان، حيث قام الأمن العام في لبنان الخميس الماضي، باعتقال تلك الفتاة وشقيقها بندر بتهمة ملفقة وهي التخابر مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

كانت كندة قد قامت بالتغريد ضد الرئيس اللبناني الماروني ميشيل عون المتحالف مع حزب الله اللبناني، كما كانت لها تغريداتها المنددة بتدخل حزب الله ضد الشعب السوري ومساندته لإرهاب بشار الأسد.

المثير في الأمر، أن هناك ناشطا مسيحيا مارونيا يدعى ميشال شمعون، كان قد اعتقل هو الآخر بتهمة التطاول على الرئيس عون، ولكنه نتيجة لمظاهرات المسيحيين في لبنان وخاصة عند أوتوستراد جونيه، الذي قطعه المحتجون ومنعوا المارة والسيارات، كما شهد محيط سراي جونيه اشكالاً كبيراً بين المتظاهرين والقوى الأمنية تخلله رشق بالحجارة، ونتيجة لتلك المصادمات جرى الافراج عنه، ولكن بقيت الفتاة السنية لأنها من أهل السنة المظلومين في لبنان والذين لا يجدون سندا أو ظهيرا يدافع عنهم.

والملفت للنظر أيضا، أن ما قاله شقيق كندة عند خروجه من التوقيف وابقاء شقيقته، هي ان المحققين سألوه عن تورط محتمل في تمويل الاحتجاجات ضد الحكومة، أي لم تكن هناك تهمة تجسس لإسرائيل حينها.

ولكن لماذا تغيرت أسباب القبض على كندة من موضوع يتعلق بالاحتجاجات ضد الحكومة إلى التخابر مع إسرائيل؟

أول من أوحى بذلك التخابر هم جمهور الثنائي الشيعي حركة أمل وحزب الله عبر جيوشهما الإلكترونية، مُطلقين وسم (#كيندا_الخطيب_عميلة)، متهمين إياها بالتخابر مع العدو الإسرائيلي وزيارة الأراضي المحتلة، وكل هذا وسط غياب أي بيان رسمي عن المديرية العامة للأمن العام أو أي جهاز أمني آخر.

وبعد ذلك قام مراسل قناة الميادين الممولة إيرانيا، علي مرتضى والمحسوب على حزب الله، بنشر ما أسماه كواليس التحقيق مع كندة الخطيب حيث زعم في تغريدة له عبر تويتر: “كندرة اعترفت امام الامن العام بالتخابر مع العدو الاسرائيلي وسوف يتم تحويلها امام القضاء المختص ترقبوا بيان للأمن العام حول الموضوع”.

ومن المعلوم للقاصي والداني في لبنان أن المحكمة العسكرية بالإضافة إلى جهاز أمن الدولة ومخابرات الجيش ومعهم الأمن العام، هم في قبضة جهاز أمن حزب نصر الله أو على الأقل تحت هيمنته، أما قسم شعبة المعلومات في وزارة الداخلية اللبنانية فقد استطاع أن يفلت من هذه القبضة بعد أن أسسه رفيق الحريري ليكون بعيدا عن هيمنة الحزب ومخابراته.

يذكر انه في قضية مماثلة وقعت في بيروت منذ عامين، جرى اتهام مخرج مسرحي سني بنفس التهمة وهي العمالة لإسرائيل، وهو زياد عيتاني الذي ينتمي إلى واحدة من أكبر العائلات السنية في لبنان والتي كانت دائما مناصرة للقضية الفلسطينية، وتبين بعد أن أحال رئيس الوزراء أيامها سعد الحريري القضية إلى شعبة المعلومات في وزارة الداخلية اللبنانية، تبين أن المقدم الضابطة سوزان الحاج مديرة مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية بقوى الأمن الداخلي، هي من فبركت التهمة له، انتقاماً من رصد زياد لها وهي تعيد ترويج تعليق سيئ من إعلامي لبناني ضد المرأة السعودية، خلاصته أن المرأة السعودية إرهابية، وأدى ذلك الاكتشاف إلى توقيف الضابطة واحالتها إلى المحاكمة.

وانبرى حزب الله وجمهوره الشيعي يدافعون عن الضابطة التي فبركت التهمة المعتادة في لبنان من قبل جماعة الممانعة: تهمة العمالة لإسرائيل، الأمر الذي طرح الشك مجدداً في سلامة ملفات التهم السابقة، وضرورة فتحها كلها، بخصوص خصوم معسكر حزب الله وحلفاء الحزب.

ولكن ما هي علافة حزب الله أساسا بإسرائيل؟

بينما يحاول حزب الله بأجهزته الأمنية ومؤسسات الأمن في الدولة اللبنانية التي يهيمن عليها الصاق تهمة العمالة لإسرائيل لكل من تجرأ على انتقاد الحزب وحلفائه فإن علاقة الحزب بإسرائيل هي في الأصل علاقة مشبوهة.

حزب الله لا ينكر علاقته بإيران فحسن نصر الله اعترف بنفسه بالحرف أن الحزب هو إيران في لبنان، ولذلك فإن تحليل العلاقة بين الحزب وإسرائيل، لابد له أن يتطرق إلى استكشاف العلاقة بين إيران وإسرائيل.

فإسرائيل منذ قيامها تتبع استراتيجية شد الأطراف مع المنطقة العربية وتتحالف مع دول طرفي المنطقة سواء إيران وأثيوبيا كما تحالفت مع الأقليات سواء كانت أقليات عرقية أو دينية أو مذهبية، وقد ظهر تعاونها جليا في الحرب العراقية الإيرانية، حيث أمدت النظام الإيراني بالسلاح والعتاد، وقد ظهر جانبا لهذا الدعم فيما عرف بعد ذلك بفضيحة إيران جيت، وامتد هذا التحالف السري إلى لبنان، حين شجعت الشيعة اللبنانيين ليكونوا جدارا حاميا لحدود فلسطين المحتلة الشمالية، بعد أن كانت في بادئ الأمر تتحالف مع الطائفة المارونية لوقف هجمات الفلسطينيين على شمال فلسطين المحتلة، ودخلت حركة امل وحزب الله في حرب شرسة مع الفلسطينيين في لبنان، واقاموا المذابح للاجئين رغبة في كبح جماح الفلسطينيين ومنعهم من مهاجمة الإسرائيليين في فلسطين ...أليست هذه هي العمالة الحقة؟

ولكن ما يبدو من مناوشات بين الطرفين، التي تصل إلى الاشتباكات المسلحة، هي عبارة عن تحديد مجال الحدود والعلاقة بينهما، فإسرائيل تريد من إيران وحزب الله مجرد دورا قامعا لأي تمدد سني على الأرض، أو نهوض لأهل السنة في المنطقة، فهي تستخدمهم كأداة لكبت المشروع السني في المنطقة، وأي تمدد لإيران أو أدواتها في المنطقة لكي تلعب دورا موازيا لإسرائيل أو أكبر منها، فهي ما تلبث أن تتدخل للحد من هذا النفوذ لتبقى الهيمنة الاسرائيلية هي الأقوى على المنطقة، أما إيران فهي وادواتها تتحالف سرا مع إسرائيل ضد أي هجوم سني ضدها، وأحيانا تصطدم به وتلعب دور المقاوم الشريف، حتى تستطيع خداع الساذجين من أهل السنة، مما يجعلهم فريسة للتشيع وانتشار المذهب الشيعي، ومن ثم تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.

ونظرا لغياب المؤسسات السنية، القادرة على حماية أهل السنة والدفاع عن مصالحهم، سيظلون الطرف الأضعف في مواجهة السهام المصوبة عليهم من كل جانب.