مثل سقوط جدار برلين وإفلاس بنك ليمان براذرز عام 2008 يصنع فايروس كورونا صدمة سياسية وإقتصادية عالمية ستسبب عواقب بعيدة المدى لتوقف حركة الأسواق والنقل وتأزم الوضع الصحي على المستوى العالمي، وهذا الأمر يسبب إرباكاً سياسياً كبيراً في النظام العالمي.

وأولى نتائج فايروس كورونا هو تعزيز مفهوم الدولة القومية على حساب العولمة التي يحاول النظام الغربي تعزيز دورها في تنظيم علاقات الدول، فقد سرقت إيطالياً شحنة كحول طبية متجهة إلى تونس، وكذلك قامة صربيا بسرقة شحنة مساعدات طبية أرسلتها الصين إلى إيطاليا، ومنعت الكثير من الدول تصدير أي منتجات طبية، وأغلقت الحدود وأنكفأ عدد كبير من الدول على نفسه للنجاة من دائرة إنتشار الوباء.

أظهر الوباء كذلك إنهيار النظام الصحي الأوروبي وعدم كفاءته على عكس ما تحاول الصين إظهاره عبر الكثير من الرسائل الإعلامية والدعائية التي ترسلها من خلال إرسال مساعدات طبية إلى البلدان المتضررة من الوباء وكذلك نشر معلومات عن عدم وجود إصابات جديدة بالفيروس التي تعد هي محضنه الرئيسي.

اتسمت الإستجابة الغربية بالبطيئة وعدم الكفاءة حتى أن الإدارة الأمريكية تواصلت مع "إسرائيل" لإمدادها بالمعدات الطبية، وهذا لا يعني بالضرورة كفاءة القطاع الطبي في إسرائيل، فقد نفذ الموساد عملية مشبوهة للحصول على 100 الف جهاز اختبار للفيروس وتخطى عدد الإصابات حاجز الألف إصابة، لذلك فإن جودة العلامة التجارية الغربية تتجه إلى الإنهيار كلما زاد تغلغل الوباء.

مايمكن التأكيد عليه هو إنكشاف عورة النظام الغربي الذي ترك مواطنيه عرضة لوباء قاتل دون تجهيزات صحية تستطيع التصدي له، وهذا الأمر ظهر واضحاً في إيطاليا واسبانيا وفرنسا وكذلك بريطانيا التي غلبت نظرية البقاء للأقوى على سياسة احتواء الوباء من البداية. فقد يعود الفضل لهذا الوباء بتوفير أموال ضخمة من الموازنة البريطانية في حال استهدف أكبر قدر من المتقاعدين وكبار السن الذين يكلفون برامج الرعاية الصحية والإجتماعية أموالاً طائلة دون دخولهم في عجلة الإنتاج!.

قد يكون الفيروس التاجي القشة التي قصمت ظهر بعير العولمة الاقتصادية التي أنهكت العالم بنسبة عالية من الفوائد والنظام المصرفي السيء وكذلك أزمة الديون الأمريكية والحروب المتواصلة لتغذية خطوط إنتاج الشركات العملاقة، وما يمكن التأكيد عليه أيضاً هو أن محاولات الولايات المتحدة ضرب الصين لصالح فكرة العولمة الاقتصادية التي تقودها قد تسقط أمام الكارثة الاقتصادية التي ستضرب الغرب بسبب الفايروس. من الواضح أن الأزمة الحالية ستزيد من انعدام الثقة بين الأنظمة السياسية المختلفة فقد شاهدنا الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش وهو ينتقد الاتحاد الأوروبي الذي رفض إرسال مساعدات طبية لبلاده مقابل مد الصين ليد المساعدة بصورة عاجلة.

أمام الولايات المتحدة تحدي كبير بعد إنتهاء الأزمة، فهي إما أن تختار تذوق طعم فشلها في التصدي للجائحة العالمية وتقديم نموذج عالمي للتصدي لها، أو التعاون مع الصين لوقف تدهور الأسواق العالمية لكن في ظل سياسات الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب المعادية للصين قد تكون العواقب وخيمة على الولايات المتحدة، فهي أمام كارثة إقتصادية في حال توسعت دائرة الأزمة مع تضخم الدين العام وتضرر الشركات بفعل البدائل الصينية.

إن أخطر الأضرار المتوقعة والتي ستحدث آثار بعيدة المدى على الحالة الاقتصادية إنقطاع سلاسل التوريد العالمية وضعف حركة النقل التجاري لا سيما بعد أن بشرت إيطاليا ببدايتها بعد أن أعلنت وقف الإنتاج بإستثناء الإحتياجات الضرورية، وبالتالي لن يكون كورونا فقط مجرد وباء فيروسي يستهدف صحة ضعاف المناعة بل أيضاً سيولد فيروس إقتصادي سيهدد صحة الجميع. فقد توقعت الأمم المتحدة أن يفقد 25 مليون إنسان وظائفهم في جميع أنحاء العالم، وهذا الأمر سينعكس على الشركات التي لن تستطيع الصمود أمام حركة مبيعات شبه متوقفة. ستساهم الأزمة في تدهور العلاقات الصينية الأمريكية وتعمق الفجوة بين بلدان الاتحاد الأوروبي ولا يمكن أن نستبعد إفرازات أخطر مثل إنفصال دول جديدة عن الكتلة الأوروبية في ظل مرحلة قد تشهد صعود موجة جديدة من موجات الشعبوية على غرار ما حدث إثر أزمة اللاجئين في الأعوام القليلة الماضية.