بالرغم من أنه يتولى المنصب منذ أسابيع عديدة؛ إلا أن اسمه لم يلمع في وسائل الإعلام سوى بعد ظهوره منذ أيام قليلة في سوريا، متفقدًا القوات الإيرانية المتواجدة على الأرض، إنه القائد الجديد لـ"فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، العميد "إسماعيل قاآني"، والذي كان يتولى سابقًا نائب الجنرال "قاسم سليماني"، الذي قُتِلَ في غارة استهدفته مع آخرين قرب مطار بغداد الدولي. فمن هو العميد "قاآني"؟، وهل سيستمر على نهج من سبقه أم ستسوء الأمور أكثر مما كانت عليه؟!

وُلِدَ "إسماعيل قاآني" عام 1958م، في مشهد بمحافظة خراسان شمال شرقي إيران، عندما كان في العشرينيات من عمره التحق بصفوف الحرس الثوري، تلقي العديد من الدورات التدريبية في أوائل 1981م، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه في مشهد، حيث بدأ مهامه في مرکز تدريب تابع للحرس الثوري، لتدريب کوادر جديدة منضمة للحرس، لم يكن هذا هو طموح الشاب الذي ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك، ساعدته المشاركة في الحرب العراقية ـ الإيرانية على أن يحظى بترقيات سريعة، فتولي قيادة فرق كبيرة أثناء الحرب، وبعد انتهاء الحرب لم تذهب جهوده سدى، إذ عيّنه "محسن رضائي" قائد الحرس الثوري حينها، نائبًا للوحدة الثامنة لعمليات القوات البرية للحرس، ثم سرعان ما تولى منصب نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة لاستخبارات الحرس لفترة ليست بالطويلة، إذ تم تعيينه في عام 1997م نائبًا لقائد مليشيا فيلق القدس من قبل قائد الحرس آنذاك "رحيم صفوي"، بينما كانت قيادة الفيلق بيد "قاسم سليماني"، وفي الثالث من يناير الماضي؛ جاءته فرصة من ذهب ليخلف قائده، فبعد مقتل الجنرال "قاسم سليماني" في غارة جوية أمريكية بطائرة مسيرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي، لم يجد المرشد "علي خامنئي" من هو أنسب للمهمة سوى "قاآني"، حيث عيّنه قائدًا للفيلق، بعد أن وصفه في خطاب تنصيبه بأنه "واحد من أبرز القادة العسكريين خلال الدفاع المقدس".

كان في اختيار "قاآني" لقيادة فيلق القدس، حسمًا للجدل بشأن خلافة سليماني، خاصةً بعد أن تواترت أحاديث عن شخصيات من خارج الفيلق، لكن النهج المتبع حاليًا في صفوف الحرس الثوري، هو أن تتولى قيادات الجيل الثاني المناصب إذا ما باتت خالية، وهو النهج الذي ينسب إلى اللواء "حسين سلامي" القائد الحالي للحرس الثوري. لكن رحلة الدفاع المقدس لـ"قاآني"، والتي قصدها "خامنئي"، ليست معروفة بوضوح، إذ لا يُعرَف الكثير عن "قاآني"، كونه مكث تحت ظلال "سليماني" لفترة طويلة، بينما كان "سليماني" على النقيض حاضر دائما في وسائل الإعلام، فقد استحوذ "سليماني" على معظم التغطية الإعلامية وهالة الشهرة، ولم يكن يُنشر عن "قاآني" سوى بعض نشاطاته العسكرية الروتينية في فيلق القدس، وبعض التصريحات النادرة والتي عكست خطًا متشددًا، فمعظم التقارير أفادت أن "قاآني" يُعدّ أكثر ميلًا نحو التشدد مقارنة مع "سليماني"، على سبيل المثال فقد سبق له أن وصف الحرب في سوريا بأنها قضية وجود بالنسبة لإيران، كما أنه يعدّ أول من كشف امتلاك ميليشات الحوثي في اليمن لصواريخ يبلغ مداها أكثر من ٤٠٠ كلم، وهو من كشف سابقًا عن تفاصيل زيارة رئيس النظام السوري "بشار الأسد" إلى إيران، ودور فيلق القدس في إتمام الزيارة، وقال حينها في تعليق مثير للجدل على استقالة وزير الخارجية "محمد جواد ظريف"، بسبب عدم علمه بزيارة الأسد، إنه "علم من كان ينبغي أن يعلم، ولم يعرف من كان ينبغي ألا يعرف".

مؤخرًا انتشرت صورة لـ"قاآني" على مواقع التواصل الاجتماعي، الصورة تم التقطتها له خلال زيارة إلى سوريا، حيث كان على أحد محاور القتال، لكن دون أن تحدد مكان أو تاريخ الزيارة، لكن الترجيحات تشير إلى أن القائد الجديد لفيلق القدس كان يزور مواقع الميليشيات الإيرانية في ريف حلب الغربي، حيث تتمركز هناك الميليشيات في محيط بلدتي نبل والزهراء وأماكن أخرى، كما أنه اجتمع بقادة الميليشيات في منطقة "خان طومان" جنوب غربي حلب، وقدم الشكر لهم، خاصةً وأن تلك الميليشيات قد شاركت بفعالية في المعارك الأخيرة بريفي حلب وإدلب، إلى جانب "حزب الله" اللبناني وقوات النظام السوري وروسيا، لكن الزيارة الأخيرة ليست مُستغربة، فقد شارك "قاآني" في الحرب السورية منذ بداياتها بصفة مستشار عسكري، وكان من مهندسي تصدير مفهوم التشكيلات الشعبية الذي يعتبر من المنظرين له في إيران، كما أكد أن بلاده ستستمر في التدخل في الأحداث التي تشهدها سوريا منذ نحو 8 سنوات، معتبرًا أن "الحرب في سوريا مصيرية، وأنها ستستمر لأنها حرب هوية ووجود"، وذلك بالرغم من الأوضاع الداخلية الرديئة التي يعيشها الشعب الإيراني بسبب الفساد والاضطهاد وسوء الأوضاع الاقتصادية، ومع الظهور الأخير لـ"قاآني" على الجبهات بدأت الألة الإعلامية الإيرانية في رسم صورة بطلها الجديد، حيث تسابقت وسائل إعلام محلية في وصفه بأنه الرجل الصلب الذي لا يختلف كثيرًا عن الجنرال سليماني، مضيفةً أنه له خبرة كافية بشأن التعامل مع جبهات القتال المختلفة.

كان "قاآني" يكرر دائمًا في تصريحاته تأكيده على التزامه بخط المرشد الإيراني، في أحد تصريحاته السابقة قال: "نحن مازلنا متمسكين بالطريق الذي رسمته لنا وحافظ عليه الإمام على خامنئي، بعزة واقتدار، وسنمضي في هذا الطريق حتى ظهور الإمام المهدي، وسندافع على جميع الشعوب المضطهدة في اقصى نقاط العالم"، وفي عام 2017 وردًا على تصريحات للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" قال قاآني: "التهديدات ضد إيران ستدمر أمريكا، لقد دفنّا الكثير من أمثال ترامب، ونعرف كيف نقاتل ضد أمريكا". أدوار "قاآني" وتصريحاته المتشددة، دفعت وزارة الخزانة الأمريكية إلى وضعه على لائحة العقوبات الخاصة بها في عام 2012م، لكن الولايات المتحدة في المقابل، لم تغفل تهديدات "قاآني"، ولم تنتظر أن يتشكل "سليماني" جديد في المنطقة ليعبث بأمنها وسلامة حلفاءها، فقد هدّد "برايان هوك"، المبعوث الأمريكي الخاص بإيران في مقابلة صحيفة، بإغتيال "قاآني"، حيث قال: "قاآني سيلقى مصير سلفه إذا سار على نفس نهجه". لقد برزت حالة من الفوضى والخلل الوظيفي في طهران ومناطق النفوذ الإيراني في المنطقة، فقد امتدت آثار اغتيال سليماني إلى سائر أرجاء المنطقة، وتركت تداعيات كبيرة على العلاقة بين فيلق القدس والجماعات الموالية لإيران في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وربما لا تزال هناك فجوة موجودة حتى الآن، فهل سينجح "قاآني" في سدّها، أم آن للمنطقة أن تهنئ بالأمن والسكينة بعيدًا عن أصوات الرصاص والمدافع؟